حين نصحو من حلمٍ لا يشبه الحقيقة

بقلم نبيل حرب

كنتُ أستمع إلى كلمات مؤتمر الشبيبة المنعقد في بكركي، خلال اللقاء مع قداسة البابا، فخال لي للحظةٍ أنّ الدنيا بألف خير، وأنّ لبنان عاد الى مجده الى سيرته الأولى، فطابت جراحه، وعادت له بهجته التي غابت. كأنّ الوطن انتفض من رماده واكتسى حلّة جديدة، كأنّ الوجع انطفأ فجأة، وكأنّ المآسي التي نعيشها مجرّد شائعة في نشرات الأخبار. لكن… ما إن انتهت كلمات الشباب حتى اكتشفت أنّني كنتُ أحلم، وأنّ الحقيقة، بكل مرارتها، كانت تنتظرني عند اليقظة.

فهل حقًّا حُلّت مشاكل البلد وأصبحنا نعيش حياةً عادية كأي شعبٍ يحترم ذاته ويتمتع بمباهج الحياة؟
هل ردّت المصارف أموال المودعين، وعادت حقوق الناس إليها؟
وهل صار الشاب يستطيع أن يشتري شقّة عبر طلبٍ يقدّمه اليوم ، فيحصل عليها غداً؟ ويجدّد سيارته بـ 24 ساعة كما لو أنّه يعيش في أغنى دول العالم؟
هل تضاعفت تعويضات نهاية الخدمة وصارت كافية لشيخوخةٍ كريمة؟
هل تحسّنت الأجور فعلاً، حتى بات اللبناني يعيش “كما يريد” لا “كما يُجبر”؟

هل أصبحت الكهرباء 24 ساعة بأرخص الأسعار، وانقطعت عادة العتمة التي صارت جزءاً من يومياتنا والغيت المولدات؟
هل باتت المياه المكرّرة تصل إلى المنازل بلا انقطاع، فلا حاجة بعد الآن لشراء المياه أو تركيب خزانات أو تلف الأعصاب من أجل قطرة؟

هل أضحت البطاقة الصحية حقاً للجميع، يدخل المواطن المستشفى بكرامته، فيُعالج بلا إذلال ولا تمييز، بلا أبواب تُفتح وأخرى تُغلق مع اقفال منافذ الامل بوجهه؟
هل افتُتحت آلاف دور العجزة، ليجد كبار السنّ من يحتضنهم بدل أن يبقوا مهمَلين بين ضيق البيوت وضيق الحياة؟

هل خفّضت المدارس الخاصة أقساطها حتى قاربت المجّانية ليكون العلم من حق الجميع؟
وهل اقتدت بعض الجامعات الخاصة التي تحمل أسماء القديسين بشفعائها، فاختارت الزهد والعفّة، وخفّضت أقساطها بنسبة 80% لتكون في متناول الشباب اللبناني المسيحي ليبلغ ارفع الاختصاصات بشكل شبه مجاني؟

هل عاد الشباب المغترب إلى أهله، وفتح بيوته من جديد، لأنّ “الدنيا بألف خير” والبحبوحة تملأ البلاد؟
هل توقّفت هجرة الكفاءات، أم أنّ الطائرات ما زالت تودّع أحلام شبابنا كل يوم؟

هل أصبحت المعاملات على الإنترنت، بلا رشاوى ولا انتظار ولا “سمسرة”؟
هل توقّفت الحرب، وعاد السلام إلى كل شبر من لبنان؟
هل شُيّدت البيوت من جديد، وعاد النازحون إلى أراضيهم، وخفّضت الضرائب، وصار دفعها إلكترونياً تسهيلاً لكرامة المواطن؟

أسئلةٌ كثيرة، تُطرح ببراءة، لكن أجوبتها معلّقة بين السماء والأرض.
أسئلة يعرف كلّ لبناني أنّها لا تزال حلماً، وأنّ الواقع على الأرض يقول شيئاً آخر: الأوضاع سيّئة والضيق يشتدّ، والهموم تتكاثر، فيما الخطابات الملوّنة تُرسم بأقلام لا تعيش في يوميات الناس.

لماذا لم يُصارح الشباب رأس الكنيسة بالواقع كما هو؟
ألم يقل الإنجيل: “تعالوا إليّ يا جميع المتعبين وأنا أريحكم”؟
فما حاجتنا إلى التجمُّل والتزيين؟ وما الداعي لارتداء ثياب ليست لنا، والحديث عن وطنٍ ليس هو الوطن الذي نعيش فيه؟

لِمَ لا نذهب إلى البابا بما نحن عليه؟
لا نخفي عنه الألم ولا نضع فوق الحقيقة غطاءً من الحرير.
فربّ كلمة صادقة تُحدث فرقاً، وربّ مكاشفة تُحرّك ساكناً في قلوب العالم.
ربّما يساعدنا… ربّما يضغط… ربّما يرفع الصوت لأجلنا.
وربّما، بفعل الحقيقة وحدها، ينتشل لبنان من أزماته التي تتناسل بلا نهاية.

نعم، نحلم بوطنٍ على صورة تلك الكلمات، لكننا استفقنا.
وبين الحلم واليقظة، وبين ما نسمعه وما نعيشه، يقف لبنان… يطلب صدقاً لا مجاملة، وواقعا لا تجميلًا، وصوتًا يقول الحقيقة كما هي، لعلّها تكون بداية خلاص.

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,042,973