بقلم نبيل حرب
يأتي الميلاد هذا العام على لبنان… لا كمرآة للبهرجة والزينة على الطرقات، بل مثقلاً بالهموم والأعباء…
تُضاء الشموع لا لأنّ البيوت عامرة بالنور، بل لأنّ الكهرباء غائبة، ولأنّ اللبناني تعلّم منذ سنوات أن يصنع الدفء من القليل، وأن يبتكر الفرح من العتمة.
في كثير من البيوت، غابت الهدايا عن اسفل شجرة الميلاد، وحلّت مكانها شمعة على النافذة، أو صلاة صامتة في القلب.
تقول أمّ لثلاثة أطفال في إحدى ضواحي بيروت:
“لسنا حزانى… فقط متعبون. نعلّم أولادنا أن العيد ليس هدية، بل أن نبقى معًا وبصحة جيدة،فالصحة اضحت اغلى ما نتمناه لأنه لا قدرة لنا على الاستشفاء وشراء الدواء.”
الهدايا لم تعد أولوية، والموائد اختصرت قدر المستطاع وبما تيسر، لكن العائلة ما زالت تحاول أن تجتمع، كأنّ الاجتماع بحدّ ذاته صار فعل مقاومة وإنجاز.
يقول ربّ عائلة من الشمال:
“كنا نملأ البيت ضحكًا وزينة اليوم نملأه صبرًا بعدما هاجر اولادي… وهذا من أصعب الأشياء.”
زمن الميلاد الأم تحضّر ما تيسّر، وتخفي قلقها بابتسامة.
الأب يحصي الأيام لا الأمنيات وينتظر راتبا زهيدا قبل العيد.
والطفل… يسأل ببراءة: هل سيأتي العيد هذه السنة محملا بهدايا بابا نويل؟
طفل في الثامنة قالها ببساطة موجعة:
“أنا ما بدي شي… بس بدي بابا يضحك”،تصوروا حتى البسمة حرمونا منها…
في الشوارع انيرت الزينة والأضواء، لكن العيون ما زالت تبحث عن معنى فرح العيد بكل امل ورجاء…
في الكنائس، سترتفع الصلوات حتما لا طلبًا للمعجزات، بل رجاءً بأن يبقى الإنسان إنسانًا، وألّا تسقط الكرامة تحت وطأة الفقر وتحت ضغط البطالة ورواتب زهيدة لا تعيل عصفورا…
سيدة مسنّة سألتها ماذا تتمنى فهمست قائلة:
“ما عدنا نطلب الكثير… فقط أن نعيش بكرامة ان نحيا كبشر وبسلام”
هكذا يحتفل اللبنانيون بالميلاد ويتحضرون له:
لا بالبذخ، بل بالصبر.
لا بالضجيج، بل بالأمل.
ولا بالوفرة والبحبوحة، بل بالإيمان بأنّ النور مهما خَفَت لا يموت.
في وطنٍ اعتاد العتمة والقهر والمفاجآت، يبقى الميلاد وعدًا صامتًا بأنه من رحم الوجع… يولد الأمل والرجاء.


