ديانا شعبان
بينما تتسابق الواجهات لعرض الزينة، وتتنافس الشوارع على بريق الأضواء، اختارت عائلة Walk And Discover Group أن تسلك طريقًا مغايرًا، بحثًا عن جوهر العيد، بعيدًا عن صخب الماديات، وأقرب ما يكون إلى نبض الإنسان.
ففي يوم السبت، الثالث عشر من كانون الأوّل، لم يكن الموعد مجرّد تاريخ عابر على الروزنامة، بل وقفة إنسانية لكسر الجدران وإسقاط الفوارق، في رحاب مستشفى راهبات الصليب – دير القمر. هناك، حيث يواجه أصحاب الهمم والحالات الدقيقة تحدياتهم بصمت وتسليم، حضرت الإنسانية لتقول كلمتها الفصل:«العيد ليس يومًا نحييه، بل فعل حياة نعيشه».
لم يكن النشاط مجرّد مبادرة موسمية عابرة، بل فعلًا إنسانيًا صادقًا، تُرجم بدعم مباشر وحضور فعلي من عائلة Walk And Discover Group، أعاد الاعتبار لقيمة المشاركة، ورسّخ معنى التضامن الحقيقي بعيدًا عن الشعارات.
من عزلة الجدران إلى الهواء الطلق
بدأ النهار بمشهدٍ اختصر المسافات النفسية قبل الجغرافية. في خطوة كسرت روتين العزلة، تحوّل النشاط الصباحي إلى هايكنغ تشاركي ومسيرة حياة. لم يمشِ المتطوّعون وحدهم، بل ساروا كتفًا إلى كتف مع المرضى، مخرجين إيّاهم من رتابة الغرف المغلقة إلى فسحة الهواء الطلق.
في تلك اللحظات، امتزجت الخطوات بالضحكات لتشكّل لوحة إنسانية عفوية، وكان كل متر يُقطع بمثابة إعلان انتصار للحياة، ورسالة محبّة صامتة تقول إن الدرب يصبح أسهل حين نمشيه معًا.
وبعد ترويقة جمعت القلوب، ولحظات صلاة حملت أسمى معاني الامتنان، عدنا إلى المستشفى، ثم تحوّل المكان إلى ساحة فرح خالص. بقيادة الـDJ، أصبحت الموسيقى جسر تواصل، ولغة عالمية لا تعترف بإعاقة جسدية أو عقلية.
رقص الجميع، وسقطت الألقاب والتصنيفات، لا سيّما مع توزيع «الكوتيون» الذي لم يكن مجرّد هدايا، بل وسيلة لانتزاع ابتسامة صافية. ارتفاع صوت الضحكات العفوية التي غطّت على هدوء المستشفى المعتاد بدا أثمن من كنوز الأرض، مؤكّدًا أن السعادة تكمن في «اللّمة» الصادقة، لا في الأشياء.
بعدها كان غداء عائلي جماعي، أشبه بـ«كسر خبز» بمفهومه الإنساني العميق. وفي هذا الصرح العريق الذي يداوي بصمت ويحتوي بكرامة، تبلورت الرسالة الأهم: لقد أثبتت عائلة Walk And Discover Group أن النقص ليس قدرًا محتومًا على الجسد.
قالت إحدى الراهبات، وهي تصف عائلة Walk And Discover Group: (لقد أضاءوا هذا اليوم أكثر من أي زينة عيد!)
مين قال الإعاقة نقص؟
سؤالٌ تردّد صداه في أروقة دير القمر، ليأتي الجواب قاطعًا من بريق عيون المشاركين: النقص الحقيقي هو في القلوب التي لا تشعر، وفي العيون التي لا ترى الإنسان إلا من خلال قالب مادي. النقص هو أن ندير ظهورنا لإنسانيتنا، وننسى أن هؤلاء «الأبطال الصامتين» قيمة مضافة لمجتمعنا، لا عبئًا عليه.
انتهى يوم السبت، لكن أثره حُفر في الذاكرة. غادرنا المكان بقناعة واحدة راسخة: ليست الإعاقة أن يفقد المرء جزءًا من جسده أو قدرته؛ الإعاقة الحقيقية هي أن يمتلك الإنسان كل شيء، وينقصه قلبٌ يعرف كيف يحب.

