نبيل حرب

في ذاك الزمان كانت بيوتنا صغيرة لكنها كانت تعج بالأهل والجيران وجدرانها ترقص فرحا وحبورا كل مساء…
في ذاك الزمان كنا صغارا نجلس مع ابي وامي نضع العجينة على الباب او نأكل الزلابية وباقي الاطايب ونحن ننظر الى الاشجار اذا كانت ستنحني منتصف الليل كما يقولون، لتمجد رب الكون ،ولم نكن نشعر بالعتمة، ولو سهرنا على قنديل الكاز او السراج او ضوء الشموع…
في ذاك الزمان كانت سندويش الزيت والزعتر تفرحنا والليرة تشتري لنا ما لذ وطاب.
في ذاك الزمان كنا نجلس بلا هاتف.كانت جلساتنا حميمة والمحبة ترفرف بظلالها علينا .اليوم صار لكل منا هاتفه وخصوصيته وعالمه الافتراضي …
في ذاك الزمان كنا نقتسم لقمة الخبز مع زائر او عابر سبيل وكان الرب يبارك موائدنا.اليوم كل يأكل على هواه ودون ان ينسى احكام اقفال النوافذ والابواب،كي لا يداهمه زائر او قريب بلا موعد ويجلس الى مائدته…
في ذاك الزمان اذا مرض احدنا ساعدناه…اليوم نشيح بوجهنا عنه ان لم نقل عزلناه خوفا من انتقال العدوى…
في ذاك الزمان كانت العونة تجمعنا حتى في جرف الثلوج عن البيوت الترابية في مثل هذه الايام العاصفة…اليوم صار الحسد والغيرة والنميمة والاستغياب موضة عند اقرب الناس الى بعضهم…
في ذاك الزمان ما كانت اخبار الحكومات اذا تشكلت ام لا تجذبنا ولا السياسات تعنينا ولا ننتظر تصاريح واكاذيب” فلتان وعلتان”
كنا نفرح بأقل هدية، حتى بغمرة او بقبلة من القلب، اليوم ما عادت هدايا الكون تكفينا،حتى الكثير ما عاد يعنينا…
في ذاك الزمان كانت البركة موجودة في معاجننا فنأكل الزلابية طازجة دون ان ننسى ان نضع القطر عليها،او نغمسها بالقطر، اليوم صرنا نقف بالصف لشراء الحلويات،ونسينا التقاليد والعادات…نسينا رائحة الطهر والخير والبركة تنبعث من معاجننا وبيوتنا المتواضعة…ما كان احلاها!
رحم الله ابي وامي ،ليت بامكاني،وهذه امنيتي الليلة، ان اجد مصرفا يقرضني بعض اللحظات معهما ولا هم ان أعلنت بعد ذلك افلاسي…
لقد أضعنا تقاليدنا وأضعنا ذاتنا معها…وصار في هذا الزمن الافتراضي الاقرب الينا هو الابعد والعكس صحيح…
وقبل ساعات من مرور الدايم دايم …نأمل ان تدوم ما تبقى من نعم الايمان والرجاء والامل والمحبة والمغفرة عليكم …وان يبارك الله قلوبنا قبل ان يبارك بيوتنا، ويعيد اليها الفرح الذي كان في ذاك الزمان…

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,043,565