استيقظ العالم في الثالث من كانون الثاني/يناير 2026 على عنوان بدا وكأنه مقتطع من رواية لتوم كلانسي: القوات الخاصة الأميركية تعتقل نيكولاس مادورو. وبينما هيمنت اللقطات المشوشة لعناصر قوة دلتا في كاراكاس، ثم التأكيد اللاحق لوصول مادورو إلى محكمة فدرالية في مانهاتن، على كل دورات الأخبار، وطغى السؤال «ماذا حصل؟» و «لماذا؟» …
خلف قرار الرئيس ترامب إطلاق عملية الحزم المطلق تكمن حسابات عالية المخاطر تمزج بين الأمن القومي، وهيمنة الطاقة، وفرضٍ أخير وعدواني لمبدأ مونرو. ولِفهم هذه الخطوة، لا بد من النظر إلى ما هو أبعد من لوائح الاتهام المتعلقة بـ«الإرهاب المرتبط بالمخدرات» لعام 2020، والتعمق في مباراة الشطرنج الجيوسياسية الأوسع لعام 2026.
«كارتل دي لوس سوليس»: أكثر من مجرد مخدرات
تؤكد البيانات الرسمية الصادرة عن وزيرة العدل باميلا بوندي ووزير الخارجية ماركو روبيو الطابع الإجرامي لنظام مادورو ولسنوات زعمت الولايات المتحدة أن مادورو كان بمثابة «المدير التنفيذي» لـ«كارتل دي لوس سوليس» (كارتل الشموس) — وهو امتياز إجرامي سُمّي نسبة إلى شارة الشمس على اكتاف الجنرالات الفنزويليين.
غير أن السبب «العميق» لغارة 2026 كان التصنيف الجديد الذي اعتمدته الإدارة لهذه المجموعة. فبحلول أواخر 2025، بدأت الولايات المتحدة التعامل مع الكارتل ليس بوصفه مجرد شبكة اتجار، بل كـمنظمة إرهابية أجنبية. هذا التحول القانوني أتاح للبيت الأبيض تجاوز العقبات الدبلوماسية التقليدية، وتأطير الغارة على أنها عملية مكافحة إرهاب لا عملاً حربياً ضد دولة ذات سيادة.
كما ربطت الإدارة الكارتل مباشرة بأزمة الفنتانيل. وبالزعم أن مادورو كان «يسلّح» المواد الأفيونية الاصطناعية لإضعاف المجتمع الأميركي — كشكل من «الحرب غير المتكافئة» — بنى ترامب تفويضًا داخليًا لعملية «إنفاذ قانون» بدت على نحو مريب كأنها تغيير للنظام.
جائزة الطاقة: الاستحواذ على «الذهب الأسود»
ربما كان السبب الأكثر صراحة — والأكثر إثارة للجدل — الذي قدمه الرئيس ترامب يتعلق بالاحتياطات النفطية الهائلة لفنزويلا. فبما يزيد على 303 مليارات برميل من الخام المثبت، تمتلك فنزويلا نفطًا أكثر من السعودية وروسيا والولايات المتحدة مجتمعة.
وفي مؤتمر صحافي عُقد في مار-آ-لاغو بعد وقت قصير من الغارة، كان ترامب واضحًا: «سنُدخل شركات النفط الأميركية الكبرى جدًا، لتنفق مليارات… وتبدأ بجني الأموال للبلاد».
وبالنسبة لإدارة ترامب، لم يكن الأمر مجرد أرباح شركات، بل أمن طاقة. ففي مشهد 2026 المليء بعدم الاستقرار العالمي وتبدل التحالفات، رأت الولايات المتحدة أن سيطرة مادورو على هذه الاحتياطات — واعتماد 80% من صادراته على «ناقلات شبح» متجهة إلى الصين — تمثل تهديدًا استراتيجيًا. ومن خلال إزالة مادورو، تسعى واشنطن عمليًا إلى:
إعادة الموارد: استعادة بنى تحتية جرى تأميمها قبل عقود.
كسر محور الصين–إيران: قطع منفذ طاقوي وسياسي حيوي لخصوم الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.
تدخل ممول ذاتيًا: يجادل ترامب بأن الثروة المتولدة من النفط الفنزويلي «ستعوض» الولايات المتحدة عن كلفة العملية، وهي سياسة يسميها «الاحتفاظ بالنفط».
«القرينة الترامبية» لمبدأ مونرو
استراتيجيًا، يشكل اعتقال مادورو أقصى إشارة «ممنوع الدخول» إلى العالم. فقد استحضرت الإدارة مؤخرًا ما يسميه الباحثون «القرينة الترامبية» لمبدأ مونرو لعام 1823. ويؤكد هذا المبدأ أن أي تدخل أجنبي في الأميركيتين يُعد تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة.
وبخطف رئيس دولة قائم من عاصمته، أرسلت الولايات المتحدة موجة صدمة إلى موسكو وبكين وطهران. كان مادورو قد أصبح رمزًا للتحدي، متحديًا الولايات المتحدة مرارًا بـ«المجيء وأخذه». وفي حسابات 2026، قرر البيت الأبيض أن ترك هذا التحدي بلا رد يُعد علامة ضعف تشجع على مزيد من التغلغل الروسي أو الصيني في الكاريبي.
فخ العداء: لماذا تمادى مادورو أكثر من اللازم؟
يتساءل كثيرون لماذا لم يسلك مادورو «مخارج النجاة» التي قيل إن الولايات المتحدة عرضتها في أواخر 2025. وتشير مصادر إلى أن مادورو كان يعاني من «وهم القلعة». فمحاطًا بحماية نخبوية ومطمئنًا إلى تحالفاته مع روسيا ومجموعة فاغنر، اعتقد أنه بمنأى عن المساس داخل المجمع العسكري في فويرتي تيونا.
وازداد سلوك مادورو عدائية مع تراجع قبضته الداخلية على السلطة بعد انتخابات 2024 المتنازع عليها. فاستخدم الخطاب المعادي للولايات المتحدة للحفاظ على ولاء جنرالاته، مراهنًا عمليًا برئاسته على فكرة أن الولايات المتحدة لن تخاطر بردود الفعل الدولية لعملية اختطاف مباشرة. وكان مخطئًا.
ما الذي ينتظرنا؟
بينما ينتظر مادورو مثوله أمام المحكمة يوم الاثنين في نيويورك، لا تزال «الأرمادا الأميركية» قبالة سواحل كاراكاس. المهمة لم تنتهِ؛ بل تحولت إلى «حجر صحي» على موانئ البلاد. وفيما تتولى نائبة الرئيس دلسي رودريغيز القيادة المؤقتة، يلوح ظل الإشراف الأميركي كثيفًا.
لم تكن عملية الحزم المطلق يومًا مجرد قضية تعود إلى لائحة اتهام عام 2020. لقد كانت ضربة متعددة الأوجه صُممت لتأمين أكبر احتياطات نفط في العالم، وتفكيك دولة مخدرات، وإعادة تأكيد الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي لعقدٍ قادم.
ملحم كلاس
@melhem.kallas

