بقلم : نبيل حرب
رئيس التحرير

في زمن كثرت فيه الألقاب وامتلأت الشاشات بالخطابات ،وفي زمن كثرت فيه الصرخات على الظلم والفقر، وفي وقت تتقاذف فيه الإنسانية بين اللامبالاة والطمع يظهر بعض رجال الدين ليكونوا نورا وسندا للضعفاء، ومن بين هؤلاء يقف الأب مجدي علاوي كرمز حي للرحمة والخدمة وكقصة استثنائية تذكرنا بما كان عليه المسيح، وما يجب أن يكون عليه رجل الدين الحقيقي: إنسانٌ قبل أن يكون رجل دين ، ورحمةٌ قبل أن تكون شعارات، وعملٌ قبل أن تكون كلمات.
الأب مجدي لا يختبئ خلف الثوب، ولا يتخذ من كهنوته مسرحًا لعرض الوجاهة أو السلطة. بل تجده تحت المطر على الطرقات، حيث يتجول بين الفقراء يحييهم يسمع لهم يأخذهم إلى ما يستطيع ان يفعله بنفقةٍ من جيبه، يدخلهم إلى المستشفيات، ويجلب لهم الدواء، ويدعو لهم بالشفاء وكأنه يقول هكذا يجب ان يكون رجل الدين الحقيقي:ليس من يتكلم عن الرحمة، بل من يصنعها.
فقصة الفقراء ليست مجرد أرقام… إنها حياة …ففي مجتمعنا، الفقر ليس مجرد نقص في المال، بل جرحٌ في الكرامة، وانكسارٌ في الروح، وصرخةٌ لا يسمعها إلا من يملك قلبًا كبيرًا.
والأب مجدي علاوي لا يكتفي بأن يسمع هذه الصرخة، بل يستجيب لها.
فإذا رأى طفلًا مرميا في مستوعب قمامة، تخلّى عنه أهله، وسُحقَت إنسانيته، لم يمرّ بجانبه مشيحا بوجهه عنه بل يأخذه إلى حضن الكنيسة ويرعاه ويكبره ويؤمن له المدرسة، والكسوة والعيش الكريم…
إنه لا يترك الطفل ليصبح رقمًا في إحصائية “طفل ضائع”، بل يحوله إلى إنسانٍ كامل.
وإذا رأى كهلا تخلى عنه أهله واستبد به الفقر، فافترش الطريق تحت الجسر يأتي إليه ويحمله إلى المأوى ويرعاه ويخدمه وكأنه والده…
وإذا شاهد الناس تتسول اللقمة على الطرقات فتح لها المطاعم لتجلس وتأكل بسخاء وبكل طيبة وكرامة…
وإذا رأى شابا ضائعا مشتتا نهشته المخدرات حمله. ورعاه وطمأنه أن كل شيء سيكون على خير، وسار به في الطريق الصحيح ليتعافى…
الأب مجدي نموذج لمن يتبع المسيح بصدق ،يقول المسيح في الإنجيل:
“كنت جائعًا فأطعتموني، عريانًا فكسوتّموني، مريضًا فزرتموني، سجينًا فأتيتم إليّ.”
(متى 25:35-36)
وهذا بالضبط ما يفعله الأب مجدي.
ليس فقط لأنه رجل دين، بل لأنه يشعر بأن كل فقير هو المسيح نفسه.
وكل مريض هو جسدٌ يحتاج إلى شفاء.
وكل طفل مهجور هو رسالة من الله، لا بد أن تُقرأ.
الأب مجدي لا يركّز على “الظهور” أو “المظهر”، بل يركز على الجوهر.
لذلك لا تراه يضع صليبًا من ذهب على صدره ليُظهر نفسه، بل تراه يحمل صليبًا بسيطًا من خشب أو ستانلس لأن الذهب عنده ليس “زينة”، بل طعامٌ للفقراء ودواءٌ للمحتاجين…
الكنز الحقيقي ليس في الذهب… بل في السماء…اما قيل لا تكنزوا كنوزا لكم على هذه الارض فكل شيء فان…
الأب مجدي يدرك الحقيقة التي نسيها الكثير :الكنز الحقيقي ليس على الأرض، بل في السماء.والذي يكدّس المال، ويبني الثروات على حساب بؤس الفقراء يشوه معنى الدين الحقيقي…
فالدين عنده ليس “مهنة”، و”استثمارًا”، و”سبيلًا للجاه”، بل طريق الى الرحمة…فهو يعلّمنا أن الدين معاملة قبل أن يكون شعائر.
وأن الإيمان ليس مجرد كلام بل أفعال.
وأن حب الله لا يُقاس بالصوت العالي وكثرة الكلام ، بل بيدٍ تساعد ووجهٍ يبتسم ووقتٍ يُقدّم للإنسان المحتاج فالمسيح نفسه كان الى جانب الفقراء، ولم يكن في خدمة الأغنياء، بل كان ينادي:”طوبى للفقراء بالروح”
(متى 5:3)
ومن يستغل الفقراء فهو ليس فقط مخطئًا، بل يخون رسالة المسيح.

الأب مجدي يُعطي من جيبه ومن صحته ومن وقته ومن جهده…ويمشي أحيانًا حافي القدمين، ليصل المال إلى من يحتاجه…بل ليقول بصمت:”أنا هنا لأخدم، لا لأتربع.”

الأب مجدي لا يحتاج إلى “حملة ترويج”وليس الى شهادتي ليصبح محبوبًا.
فمحبة الناس له تنبع من صدق عمله.من أنه لا يميّز بين فقير واخر، ولا يطلب مقابلًا، ولا يضع شروطًا.
هو ببساطة ينظر إلى الإنسان كإنسان.
وهذا هو سر احترام الناس له:لأنه لا يطلب من الفقراء أن “يشكرونه”، بل هو يشكر الله لأنه يستطيع أن يساعدهم وهو لا يريد أن يكون مشهورًا، بل يريد أن يكون خادمًا.
نعم الأب مجدي يستحق أن يكون مثالا لكل رجل دين لأنه سلك الطريق الذي أراده المسيح لنا، طريق الرحمة والمحبة والعمل الصالح، هو الذي يرفع الدين إلى مستوى إنساني، حيث يلمس قلوب الناس قبل أن يلمس أوراق الصكوك والتقارير المالية والاقساط الجامعية الباهظة التي تحول دون حلم الشباب بإكمال التحصيل العلمي والشهادات، هو من يجعل من الإيمان حياة تنبض بالحب والكرم ويجعل من كل محتاج إنسانا محترما، ومن كل جرح يُشفى أمل جديد، وفي كل خطوة يخطوها، وفي كل مساعدة يقدمها يذكرنا الأب مجدي أن الدين ليس  ما نرتديه، بل هو قلب نابض بالخير، وروح تسعى لتغيير العالم بالرحمة… فهو من جعل من الإيمان طريقا للحياة، والرحمة منهجا للوجود…
الأب مجدي علاوي… رسالة حية في زمن الخداع والنفاق…في زمن تكاثر فيه الذين نسوا او تناسوا رسالة المسيح، يظهر الأب مجدي علاوي كـ ضوءٍ في الظلام كإنسانٍ عاش تجربة الرحمة وطبقها وعاش من أجلها مثله مثل الأخ نور الذي لنا عودة اليه في مقال آخر،والذي يذكرنا بدور الرسل والمبشرين والنساك…فهو ليس مجرد رجل دين، بل مثال حي على أن الدين الحقيقي يكون بالحب والعمل والتضحية والعطاء ومساعدة كل محتاج والاستماع الى هواجس المؤمنين واوجاعهم…
إن الأب مجدي يستحق أن يُكتب عنه، وأن يُروى اسمه، وأن يكون نموذجًا لكل رجل دين يمشي على درب القداسة..لأن ما يفعله ليس “عملًا خيريًا” فقط، بل تجسيدٌ لحياة المسيح على الأرض…

 

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,043,003