بقلم :نبيل حرب
رئيس التحرير

ليست السيدة ماري بشير مجرد اسمٍ لامع في سجلّ الخدمة العامة الأسترالية، ولا مجرد حاكمة سابقة لولاية نيو ساوث ويلز، بل هي حكاية إنسانية كاملة، تبدأ من بلدة دوما اللبنانية مسقط راسها، وتصل إلى أعلى مراتب الاحترام في دولةٍ بعيدة، من دون أن تنسى يومًا جذورها الأولى.
هي ابنة لبنان التي غادرت الجغرافيا، لكنها لم تغادر الوجدان… حملت معها القيم التي تُصاغ في القرى، وتُختبر في الشدائد: التواضع والالتزام والإيمان بالإنسان وخدمة الناس بلا استعلاء… لذلك لم يكن غريبًا أن تحظى باحترام الأستراليين جميعًا، وأن تُعدّ واحدة من أكثر الشخصيات تقديرًا في تاريخ ولاية نيو ساوث ويلز، حيث تولّت منصب الحاكمة بين عامي 2001 و2014، في واحدة من أطول وأغنى فترات العطاء في تاريخ الولاية…
ورغم الاحترام الواسع الذي حظيت به، اختارت ماري بشير أن لا تمدّد ولايتها، إدراكًا منها أن المنصب خدمة لا امتياز، وأن تداول المسؤولية قيمة أخلاقية قبل أن يكون قاعدة دستورية… قرارها هذا عكس تواضعها العميق ورسّخ مكانتها أكثر …
عندما عادت ماري بشير إلى لبنان لم تأتِ ضيفةً عابرة، بل عادت ابنةً إلى بيتها الأول، عادت بقلبٍ مفتوح، وبشوقٍ صامت، وبدمعةٍ مؤجلة… زارت الوطن الذي أحبّته وأحبّها، وكان لها أن تُكرَّم في حفلٍ كبير وحاشد في الاونيسكو أقامته رئيسة ديوان أهل القلم السيدة سلوى الخليل الامين التي تبنت دعوتها من استراليا ضمن برنامج كامل متكامل ضاق بالمواعيد وبحفلات التكريم، وسط حضور على اعلى المستويات في صرح لا يحتفي إلا بالقامات الفكرية والإنسانية الكبرى.
في ذلك اليوم كان لي شرف تقديمها، شرفٌ لا يُنسى، لأنني لم أقدّم شخصية رسمية بل قدّمت قصة وطنٍ انتشر في العالم وشع بريقه كالكواكب والنجوم، وبقي حيًّا في أبنائه واعترف بعد عشرات الاعوام انني كنت شاهدا ومشاركا في لحظةً من تلك اللحظات النادرة التي يلتقي فيها الاغتراب بالوطن لا كحالة حنين بل كحالة وفاء…
وفي اليوم التالي من حفل التكريم، استقبلنا الرئيس اميل لحود  في القصر الجمهوري في بعبدا ضمن وفد كبير ضم رئيسة ديوان أهل القلم والأعضاء برفقة الحاكمة وزوجها والوفد المرافق
وكان لرئيس الجمهورية يومها اميل لحود كلماته الوجدانية المؤثرة التي أحاط بها الحاكمة ماري بشير مع تقديم وسام يليق بشخصها فشعرت كما رددت “بمحبة الدولة ودفء الوطن” بعد الكلماتٌ الصادقة التي خرجت يومها من قلب رئيسٍ يعرف معنى أن ينجح اللبناني في الخارج من دون أن يتخلّى عن هويته وانتمائه…
وهكذا أمضت ايامها بين أهلها وبين ناسها وبين ذاكرتها، وكأن الزمن عاد خطوةً إلى الوراء ليذكرها بالماضي الجميل الذي كان…
ثم كانت دوما… البلدة التي أنجبتها محطة الاستقبال المميزة هناك لم يكن الاستقبال بروتوكولًا، بل عرسًا… تحوّل اللقاء إلى احتفال جماهيري كبير، لأن الناس شعروا أنها واحدة منهم لم تتعالَ ولم تتغيّر… وقفت بينهم كما تقف شجرة قديمة في ساحة البلدة: شامخة هادئة ومليئة بالحيوية والاعتزاز تتأمل بيوت القرميد التي تظلل دوما كشعاع يتدلى من الشمس…
ماري بشير لم تكن حاكمة سلطة بل حاكمة قيم… طبيبة نفسية مرموقة، ومدافعة شرسة عن الصحة النفسية والتعليم والاندماج الاجتماعي وإنسانة أولًا، شاركها مسيرتها زوجها السير نيكولاس شحادة الحائز على وسام أستراليا، وعلى وسام المملكة البريطانية لمدة 61 عاما، والذي شكّل معها ثنائيًا إنسانيًا راقيًا في خدمة المجتمع والعلم، وبنيا معًا عائلة تركت أثرًا طيبًا في الحياة العامة الأسترالية.
آمنت بأن المنصب ليس امتيازًا بل مسؤولية، ولذلك حين غادرت موقعها، خرجت مرفوعة الرأس، محتفظة باحترام الناس ومحبتهم، وهو الإرث الأجمل لأي مسؤول، في استمرار محبة الناس له.
اليوم وهي في رحاب الغياب عن ٩٥ عاما، تبقى حاضرة، تبقى جسرًا بين لبنان وأستراليا، وبين دوما والعالم، وبين الإنسان والإنسان… تبقى دليلًا حيًّا على أن الانتماء لا يُقاس بالمسافة بل بالوفاء…
رحم الله الدكتورة ماري بشير ابنة لبنان البارّة، وسيدة الإنسانية الهادئة، ولتبقَ سيرتها شهادةً على أن الوطن لا يصغر حين يبتعد أبناؤه، بل يكبر حين ينجحون… ويعودون بقلبهم إليه.

هذا وقد نعى ديوان أهل القلم الحاكمة الاوسترالية السابقة الدكتورة ماري بشير ..
احدى المبدعات اللبنانيات الذين كرمهم الديوان ودعاهم الى لبنان.
تغمدها الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جنانه

وهذه اللقطات خصت الحاضر نيوز بها رئيسة الديوان مشكورة الدكتورة سلوى الخليل الامين…

وهذا منزل حاكمة ولاية نيو ساوث ويلز السابقة السيدة ماري بشير شاهدًا حيًّا على عمق الجذور وصدق الانتماء.

وهذه لقطات إنسانية يومها حيث اجتمعت السيدة بشير بأهلها وأبناء بلدتها في استقبالٍ عفويٍّ صادق وكبير، اختلطت فيه المحبة بالفخر، والحنين بالاعتزاز، في مشهدٍ يؤكد أن النجاح مهما بلغ مداه، يبقى مشدودًا إلى أرضه الأولى.
وقد خصّنا الزميل الصحافي غسان عازار، الذي واكب الزيارة يومًا بيوم، بهذه الصور واللحظات الجميلة، ناقلًا بعدسته وقلمه دفء اللقاء وصدق المشاعر، وموثقًا زيارة الى دوما حملت في تفاصيلها أكثر من مجرد عودة… بل كانت عودة الروح إلى الجذور.
دوما كعادتها فتحت قلبها قبل أبوابها، واستقبلت ابنتها كما تستقبل الأم أبناءها العائدين من سفرٍ طويل بكل محبة وفخر…

 

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,043,127