بقلم : نبيل حرب
رئيس التحرير

في لبنان لم نعد نقيس الرواتب بالعملة ولا حتى بالدولار بل بالغرام…
غرامان من الذهب… هذا هو إنجاز شهر كامل من التعب، من الفجر حتى “النجر”…
غرامان لا يكفيان لشراء خاتم صغير او حلق فكيف لشراء حياة كريمة طوال الشهر؟
في لبنان الموظف كائن أسطوري، كائن من غير كوكب…
يستيقظ باكرًا يعمل طويلًا يتحمّل شغلًا شاقًا، ثم يعود آخر الشهر ليكتشف أنه لا يستطيع أن يدفع فاتورة الكهرباء ولا المياه ولا الخليوي ولا الإيجار ولا حتى فاتورة الدواء…
راتبه لا يعيل عصفورًا… حتى ولو كان مكسور الجناح.
ليتهم يسألون انفسهم
كيف يعيش الموظف بثلاثمئة دولار؟
وكأنهم يسألون: كيف يسبح الحجر؟ كيف يبتسم الجوع؟ كيف يتنفس الغريق؟
ثلاثمئة دولار لا تكفي لإيجار غرفة تحت الدرج ولا لتعبئة خزان مياه، ولا لتعليم طفل، ولا حتى لدفن حلم…
والشباب؟ مساكين الشباب،
يُطلب منهم أن يؤمّنوا مستقبلهم وأن “يصبروا”، وأن “يحبّوا البلد” فيما البلد يطلب منهم فقط شيئًا واحدًا:أن يرحلوا،او يموتوا يأسا وقرفا وجوعا…
الأقساط المدرسية بآلاف الدولارات، والجامعية بعشرات الآلاف.
جامعة “متوسطة” تطلب أكثر من 12 ألف دولار كل ستة أشهر، وكأن الطالب يدرس على القمر، أو يتلقى العلم من أفلاطون شخصيًا.
من أين يأتي الأهل بالمال؟
باعوا ذهب الأم، أثاث البيت، أرض الجدود والآباء، بيت العائلة، تاريخ العائلة.
باعوا كل شيء… ولم يبقَ إلا الكرامة، وهي بدورها تكاد تعرض للبيع ولو بالتقسيط.
الناس باعت ممتلكاتها لتُعلّم أولادها ثم سكنت بالإيجار، وانكسرت حتى بدفع الإيجار، ثم يسألون لماذا يهاجر الشباب ويتسولون الفيزا على ابواب السفارات؟
لماذا يُضرب الأساتذة؟
لماذا تصرخ الإدارات العامة وتعلن الاضراب؟
لماذا يتظاهر قدامى الموظفين والعسكريين القدامى؟
لأن الراتب لا يساوي شيئًا.
لأن الحياة لم تعد حياة.
لأن الكرامة صارت بندًا مؤجّلًا في موازنة لا تُقرّ إلا ضد الناس الفقراء البسطاء…
أما الضرائب والرسوم فحدث ولا حرج لم يتركوا ورقة، ولا إخراج قيد، ولا توقيعًا، ولا نفسًا حتى ولو من الهواء إلا ووضعوا عليه رسمًا…
رسوم على الفقر، ضرائب على التعب، وغرامات على البقاء في هذا البلد.
سرقوا مدّخرات الناس في المصارف، وتراهم الآن يتجادلون على رد الجزء اليسير منها…
هذه ليست حياة ،نحن لسنا أحياء نحن فقط نتنفّس… إلى أن تأتي الساعة…
لبنان اليوم ليس بلدًا،
هو اختبار قاسٍ للصبر والتحمل،
ومدرسة قاسية للألم،
ومسرح ساخر أبطاله ناس طيبون،صدقوا ان المستقبل سيكون افضل…
وها هو الستار يُسدل كل شهر… عند قبض راتب يساوي غرامين فقط من الذهب،فهل يوجد عذاب ووجع بعد اكبر من هذا العذاب حيث صار الراتب يقاس بالغرام لا بالكرامة!

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,043,047