“بقاعكفرا موطن ❤️ قلبي”

حكاية شربل ومريم العذراء…

ولد القديس شربل مخلوف في مسقط رأسه بقاعكفرا أعلى قرية في لبنان والشرق الأوسط بتاريخ ٨ أيار ١٨٢٨ ضمن عائلة مسيحية فاضلة، تمارس الطقوس الدينية بتقوى وإيمان في حقبة تاريخية صعبة من تاريخ لبنان مع بداية القرن التاسع عشر .

فمنذ نعومة اظافره تعلق القديس بحب مريم العذراء، فأول كلمة تفوه بها ” يا عدرا” واول إشارة قام بها هي رسم إشارة الصليب على وجهه…

وكانت عائلة القديس تكرم العذراء مريم والدة الله وتضع لها صورة كبيرة في واجهة المنزل عربون حب وتقدير لها.

نشأ القديس ضمن عائلة مسيحية مؤمنة وفاضلة، ومنذ ان وعي على الحياة والعائلة تجتمع كل ليلة وتصلي المسبحة الوردية أمام صورتها التي كانت تتصدر واجهة المنزل الذي كان يتألف من غرفة واحدة سقفها من جذوع الخشب وحيطانها مصنوعة من اللبن والتين، وكان القديس يركع على ركبتيه الصغيرتين، ويصلي بحرارة المؤمن رافعا رأسه نحو السماء، مناجيا العذراء مريم، وهو يقدم لها البخور، ويرتل بصوته الحنون ” يا ام الله يا الحنونة”…

تربى القديس ضمن عائلة مسيحية فاضلة مؤمنة وتقية، وهو الخامس بين اخوته، فكان يواظب على سماع القداس والمشاركة فيه وخدمته مع زوج والدته الذي أصبح كاهنا فيما بعد، وهو الخوري مبارك مخلوف.

وعندما كبر أصبح يتلو صلاة العذراء مريم داخل مغارة وضع فيها صورة للعذراء، يقدم لها البخور، ويضع أمامها الزهور مناجيا لها بالقول:” يا عدرا يا امي اللي بالسما”.

كان القديس يتحدث مع والدة الله، ويعبر لها عن حبه الكبير، وحزنه العميق، بعد غياب ابيه عن المنزل ووفاته بسبب أعمال السخرة للجيش التركي انذاك، ودفنه بعيدا عن مسقط رأسه بقاعكفرا، حيث ضمت ترابه ارض غرفين في بلاد جبيل، وما زال مدفنه لليوم شاهدا على عمق المأساة التي عانتها العائلة بسبب غياب الاب السند الحقيقي للعائلة والذي ترك اثرا كبيرا في نفوس الأبناء.

اما زواج امه بريجيتا الشدياق من بشري من الخوري عبد الأحد مخلوف وضعه أمام مسؤوليات كبيرة، وهي تأمين لقمة العيش في غياب الاب، معيل العائلة . فكان يأخذ بقرته لترعى، ويلجأ هو الى الصلاة في مغارة “عين الحور” (دير الراهبات حاليا) حيث تفجر بفضائله نبع المياه العجائبية، يأخذ منها المؤمنون بركة للشفاء، وقد شهد المكان اعاجيب كثيرة .

كل هذه الأمور دفعت شربل للتفكير بعمق حول ” مصير الانسان ونهايته”. فأتضح له ان كل شيىء على هذه الأرض باطل….وملكوت السماوات هو الفضاء الواسع لتقديس الروح.

واعتبر أن الحياة الأرضية هي طريق نعبرها، لتأمين حياة افضل مع المسيح.

لذلك كان خياره صعبا، والهدف هو الاقتداء بحياة يسوع، فأختار الطريق التي توصله الى السماء، وهي الدخول إلى الدير لخلاص النفس، ومن ثم اختار الحياة النسكية الصعبة لمدة ٢٣ سنة لينال المجد الابدي.

فهذا الخيار الصعب منعه من مقابلة والدته بريجيتا الشدياق التي قصدته من بقاعكفرا إلى محبسة عنايا مشيا على الاقدام مع مشقة الطريق لرؤية ابنها صغير العائلة وفلذة كبدها، لكنه لم يقابلها لان حياته مع الله كانت أقوى من رابطة الدم واللحم، قائلا لها بحرقة قلب سكران بالله: ” سنلتقي يا امي في السماء”.

القديس شربل تجرد في محبسته عن العالم الخارجي، عاش حياة التقشف والفقر والصوم والصلاة، فتوحد مع الله وعاش سكرانا به في عمق اعماقه.

في حياته النسكية أختبر ذاته اكثر …..عاش الصمت المدوي….ولم يتكلم خلال فترة تنسكه الا بضع كلمات….لم يفتح فاه الا للصلاة….ولم يأكل الا من فتات الطعام….لم يستقبل احدا حتى امه من لحمه ودمه لم يقابلها…

توحد شربل بالله الذي كان محور حياته وتفكيره، وتجرد عن كل ملذات الحياة طوال مشوار حياته على الارض، من بلدته بقاعكفرا إلى عنايا…

ويقال إن عيناه تعبتا من قراءة كتابه المفضل :”الاقتداء بالمسيح”.

ويذكر ان العذراء مريم كانت شفيعته الأولى….وملهمته من بداية مشواره مع القداسة من بلدته بقاعكفرا الحبيبة… يصلي لها …ويطلب شفاعتها …ويقدم لها البخور ويناجيها …ويشكو لها همه وحزنه، قائلا لها:” يا عدرا يا امي اللي بالسما”.
كما كان يردد اسمها على لسانه دوما، ويقول لأهل قريته هذا الكلام الشهير:” كل للي بدو يخلص نفسو يتعبد لمريم العدرا” .

وفي الختام نقول طوبى لك يا مار شربل عرفت كيف تخلص نفسك….طوبى لك يا بقاعكفرا بقديسك لانه أعطى لبنان والعالم مجد عظيم.

ابنة بقاعكفرا انطوانيت شليطا

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,045,363