*بقلم د. بيار يونس*

تعتمد موازنة الدولة اللبنانية وماليتها العامة، وبشكل شبه كامل، على الضرائب والرسوم كمصدر أساسي للإيرادات، في ظل غياب فاضح للإصلاحات البنيوية وانعدام أي سياسات إنتاجية جدّية قادرة على تحفيز النمو وخلق موارد مستدامة. وقد تحوّل النظام الضريبي إلى الأداة الأسهل والأكثر كسلاً بيد الحكومات المتعاقبة، التي اختارت الجباية بديلاً عن الإصلاح، والضغط على المواطن بديلاً عن مواجهة الفشل.

فبدلاً من معالجة مكامن الهدر وإعادة بناء الدولة على أسس حديثة، يجري اللجوء بشكل متكرر ومتزايد إلى فرض ضرائب ورسوم إضافية، مباشرة وغير مباشرة، لتمويل النفقات العامة والرواتب والأجور، وكأن المشكلة تكمن فقط في نقص الإيرادات لا في سوء إدارتها. ويُحمَّل المواطن والقطاع الخاص كلفة عجز مزمن، لم يكونا يوماً سبباً فيه.

الأخطر أن هذا النهج يستمر من دون أي معالجة جدية للخلل العميق في بنية الدولة وإدارتها. فالإدارات العامة ما زالت غارقة في تضخم غير مبرر في أعداد الموظفين، نتيجة عقود من التوظيف العشوائي والمحاصصة السياسية، ما أدى إلى ترسيخ ثقافة المحسوبية، ووجود أعداد كبيرة من عديمي الكفاءة والضمير، وانتشار الرشوة والفساد، واستنزاف الموارد العامة من دون إنتاجية أو خدمة فعلية للمواطن.

ومع ذلك، ومن باب الإنصاف، لا بد من التأكيد على أن الإدارة العامة لا تخلو من موظفين أكفاء ونزيهين، يؤدون واجباتهم بمهنية ومسؤولية عالية رغم الظروف القاسية، وهؤلاء يستحقون كل التقدير والدعم. إلا أن وجود هذه الفئة لا يبرر استمرار نظام إداري مأزوم يحمي الفشل ويعاقب الكفاءة.

إن حماية المال العام وتحقيق أي حدّ أدنى من العدالة المالية لا يمكن أن يتمّا عبر فرض المزيد من الضرائب على المواطنين فقط، بل يتطلبان إصلاحاً جذرياً وشجاعاً للإدارة العامة، يقوم على المحاسبة الفعلية، وإعادة هيكلة القطاع العام، وضبط الإنفاق، وربط الرواتب والإعتمادات بإنتاجية حقيقية وخدمة ملموسة.

وفي حال كان لا بد من فرض ضرائب إضافية، فإن العدالة والمنطق يفرضان أن تُوجَّه أولاً نحو القطاعات والمصادر التي لطالما تهرّبت من واجباتها، وعلى رأسها الأملاك البحرية والنهرية المعتدى عليها، والأنشطة الريعية، وقطاعات الكماليات والرفاهية العالية، بدل الاستمرار في استسهال استهداف ذوي الدخل المحدود والاقتصاد المنتج.

من دون هذه المقاربة، سيبقى النهج الضريبي المتصاعد مجرد أداة ترقيع مؤقتة، تعمّق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، وتزيد من فقدان الثقة بين الدولة ومواطنيها، وتؤكد مرة جديدة أن المشكلة في لبنان ليست نقصاً في المال، بل غياب الدولة القادرة والعادلة.

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,045,273