بقلم : نبيل حرب
رئيس التحرير

ليس الاغتراب عند اللبناني هروبًا من الوطن، بل امتدادًا له… هو جناحٌ ثانٍ لطائرٍ اسمه لبنان، يحلّق بعيدًا لكنه لا ينسى عشه الأول. وفي أستراليا، كما في سائر بقاع الأرض، لمع اللبنانيون كالكواكب في سماء النجاح، فبنوا المؤسسات، وأداروا الشركات، وتبوأوا المراكز، وبرعوا في ميادين العلم والاقتصاد والاستثمار. لكن قلوبهم بقيت معلّقة هناك… على شاطئٍ في طرابلس، أو سهلٍ في الكورة، أو زقاقٍ في مدينةٍ قديمة تعبق بذكريات الطفولة…
ومن بين هؤلاء، يبرز اسم الدكتور مصطفى قراعلي، الآتي بخبرته وطاقته وتجربة عمرٍ كاملة إلى لبنان، لا ليزور، بل ليؤسس ويبقى. جاء بفكرة واضحة، وبمشروع متكامل: إنشاء مزرعة للخيل العربي في منطقة الكورة،وقد تكون الاولى في الشمال بهذا الحجم، بدأ ب٢٣ خيل واسد ونمر في مساحة واسعة ومبان تستوفي الشروط المعتمدة، مشروع لا يقتصر على تربية الخيل فحسب، بل يمتد ليشمل الفروسية وبناء المطاعم وتشجيع السياحة بكل وجوهها، في رؤية اقتصادية مدروسة، تنموية ومتكاملة.
هو مشروع لتحسين إنتاج المزارع والمزارعين، وفتح آفاق جديدة أمام المنطقة، وتوظيف عشرات الشباب الذين ضاقت بهم السبل، ووقفوا على أبواب الهجرة إلى أقاصي الدنيا. مشروع يخلق فرص عمل حقيقية، ويعيد الثقة بأن الأرض قادرة أن تعطي، إذا وُجد من يؤمن بها…وما احوجنا ان ندعم مثل هذه المشاريع التي ينوي تنفيذها ابناء الوطن المغتربين ونعطيهم الحوافز والتسهيلات والإعفاءات ،لحث غيرهم على المجيء والاستثمار في وطنهم الأم عبر المشاركة في نهضته…
الدكتور مصطفى لم يأتِ إلى لبنان وحيدًا. لقد مدّ يده إلى الأستراليين جميعًا، داعيًا اياهم إلى العودة  والاستثمار في لبنان لإنعاشه ودعمه، لأن محبة الوطن برأيه، لا تكون بالشعارات ولا بالخطب الرنانة، بل بالفعل والعمل، وبدعم الدولة والعهد. فالوطن لا يُبنى بالكلمات، بل بالمشاريع، ولا يُنقذ بالنيات، بل بالمبادرات.
هو يؤمن بأن تحفيز الشباب اللبناني على الإيمان بوطنهم هو المدخل الحقيقي للنهوض، لأن الغد لن يأتي من الخارج إن لم نصنعه نحز بأيدينا. ولا يمكن أن نلقي المسؤولية على أحد إذا لم نبادر نحن إلى صناعة المستقبل وبناء دولة حضارية متقدمة وهذه فرصتنا.
فلبنان، كما يرى د. مصطفى يمتلك من الطاقات الاغترابية ما يكفي للنهوض به، شرط أن يجد المغتربون الفرصة المناسبة للاستثمار، والبيئة التي تحتضن مبادراتهم…
وهو يأمل كثيرًا بعهد الرئيس العماد جوزيف عون ببناء دولة، وبخطاب القسم الذي يطمح إلى نقل لبنان من دائرة المشاكل والصراعات إلى واحة السلام والتقدم والتطور… فحين تستقيم الدولة، ويُصان القانون، وتُحمى الاستثمارات، يعود المغترب مطمئنًا لا مترددًا حسب ما يقول…

الدكتور مصطفى عاد الى لبنان ليضع خبرته الطويلة وما اكتسبه في عالم الاغتراب، وفي أرقى الدول كأستراليا، في خدمة وطنه… لأنه يؤمن بأن الإنسان، مهما كبر حجمه ونجاحه، يبقى أصغر من وطنه، وأن القيمة الحقيقية للنجاح هي حين يُترجم عطاءً لأرض الانتماء وللشعب اللبناني الطيب الذي عانى ما عاناه.
ومن هذا المنطلق كم نحن بأمسّ الحاجة إلى مشاركة المغتربين في الانتخابات النيابية ترشيحا واقتراعا، وإلى أن يقدّموا ما لديهم من أفكار ومبادئ وطروحات جديدة ونهضوية وصحية وانمائية متطورة. هؤلاء لا ينقصهم المال حيث هم، ولا المراكز، ولا المؤسسات، ولا الشركات ولا الشهرة … فإذا أتوا إلى لبنان، يأتون بكامل وعيهم وخبراتهم وحماسهم لبناء المشاريع، وتعليم الناس كيف يصطادون السمك بدل أن يقدموا لهم سمكة…

نعم ما أحوجنا إلى أمثال الدكتور مصطفى قراعلي، من البارعين في عالم الاغتراب، الذين يشعون هناك كالنجوم، ورغم نجاحهم هناك يقررون أن يعودوا إلى هذا البلد ليضعوا كفاءتهم في خدمته. فلبنان لا ينقصه الذكاء، ولا الطاقات، ولا الإرادة… بل يحتاج إلى جسور بين الداخل والخارج، بين الحلم والواقع، بين النجاح الفردي والمشروع الوطني…
يقول د. مصطفى ان لبنان اليوم يقف عند مفترق طرق. إما أن يبقى أسير الأزمات، وإما أن يفتح أبوابه لأبنائه المنتشرين في العالم، فيعودون لا كزوّار، بل كشركاء في الإنقاذ وفي بناء الدولة وهذا ما يفعله. وحين تتلاقى إرادة المقيم مع حماسة المغترب، يصبح الوطن فكرة قابلة للحياة، لا ذكرى معلّقة في القلوب…
إنها دعوة صريحة لأن يتحول الاغتراب من حكاية نجاح فردي إلى مشروع نهضة جماعي. فحين يضع اللبناني في أستراليا علمه وخبرته واستثماره بتصرف لبنان، لا يكون قد عاد فقط إلى وطنه… بل يكون قد أعاد للوطن بعضًا من مجده.
وهكذا تُقاس الأوطان: لا بعدد التصاريح والخطابات والوعود العفنة ، بل بعدد الذين يؤمنون بهذا البلد إلى حدّ ترك كل شيء خلفهم والعودة اليه…

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,037,983