د. مازن عبود
لا تُقاس الرجال بحجم الخدمات الخاصة التي أمّنوها فقط، ولا بتطييب الخواطر. فكل ذلك لا تبقيه الأيام. ما يصنع الرجل حقًا الموقف. تعرف خامته حين يُمتحن الضمير. الانسان وقفة. الانسان كلمة حق تُقال بغض النظر عن كلفتها.
يعود الياس سابا إلى قريته بلوحةٍ تحمل اسمه على شارعها الرئيسي. وهو قد نقش بمواقفه وسيرته وجدان حرّاس الجمهورية ودعاة الإصلاح. نقشها بنضالات حكومة الشباب وبتحسره على بلد ما ارداه للفرص الضائعة بل للمعايير والرجال والكفاءات.
من المعروف أنّه، على أثر انتخاب الرئيس سليمان فرنجية رئيسًا للجمهورية وخسارة حاكم مصرف لبنان الياس سركيس والنهج الشهابي المعركة الرئاسية بفارق صوت واحد، وبعيد تشكيل “حكومة الشباب”، صرّح رئيس الحكومة صائب سلام بضرورة إقالة حاكم المصرف المركزي، معتبرًا أنّ سياسته النقدية كانت خاطئة.
توجّه الصحافيون إلى وزير المال آنذاك، الياس سابا، وكان عائدًا من الشمال، لاستطلاع موقفه، إذ لم يكن قد اطّلع بعد على تصريح رئيس الحكومة. وما إن وُضع في صورة التصريح حتى خالفه علنًا، فانتقد الدعوة إلى الإقالة، وأشاد بالسياسات النقدية لإلياس سركيس، مؤكّدًا تمسّكه به ونفي أي توجّه لإبعاده عن منصبه.

إثر ذلك، استدعاه رئيس الجمهورية على عجل إلى القصر الجمهوري، وعاتبه بحضور رئيس الحكومة. فأجاب الرئيسين قائلاً: «يا صاحبي الفخامة والدولة، أنا لا أحمي إلياس سركيس، بل أحمي البلد ونقد البلد. أصون العهد والحكومة والسوق، وهذه هي المهمة التي أسندتموها إليّ».

وانتهى النقاش عند هذا الحد، وبقي إلياس سركيس في موقعه.
كان في لبنان يومها رؤساء ووزراء ونواب بحجم الوطن. كان يُحكم بالكفاءات والرجال قبل أن تبلغ الشعبوية عتبات الحكم. صحيح أنّ الأزمنة لا تخلو من الرجال، ولا العهود من الكبار، لكن واجبنا أن نتناقل المواقف التي ترسم القامات، كي تبقى في البلد قامات.
الياس سابا، أنت قائم في المواقف كما سائر الكبار. قائم في “حكومة الشباب” التي شكّلت الومضةً الإصلاحية التي لا تُنسى في تاريخ البلد. شكرًا لبلدية كفرحاتا، وشكرًا لشبابها، لأنهم استضافوا بعضًا من عطر الوطن الذي منهم لديهم. فأهلا بالدولة والرجل في شارع كفرحاتا الرئيسي.

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,044,174