كتب فادي شربل داود
بدأت معاناة بشير وهو في عمر يقارب السنتين، أو أقل بقليل. كان طفلًا طبيعيًا يمشي. في أحد الأيام، استيقظ وخرج إلى شرفة البيت ، فتلقّى صفقة هواء باردة مباشرة. بعد هذا الحدث، لاحظت والدته سامية أنّ مشيته بدأت تتغيّر تدريجيًا، وأنه صار “يأخذ من وركه”، أي يميل أثناء المشي ويجرّ إحدى رجليه من الخلف.
ومع مرور الأيام، لم تتحسّن حالته، بل ازداد الاعوجاج والتعب.
قبل التوجّه إلى الطبيب المختص، دلّهم أحد المقرّبين على طبيب عربي في منطقة عين عار. حمل الوالدان طفلهما الصغير إليه، على أمل أن يكون في الأمر علاج بسيط يجنّبه الجراحة. إلا أنّ هذه المحاولة لم تُثمر، إذ تبيّن أنّ حالة بشير تتجاوز إمكانات المعالجة العامة، وأنه يحتاج إلى طبيب عظام مختص بالأطفال. عندها، وبعد هذا الباب الذي لم يُفتح، عاد الأهل إلى بيروت، وتوجّهوا إلى مستشفى أوتيل ديو.

في مستشفى أوتيل ديو، عاين بشير الطبيب المختص الدكتور فرناند داغر، وأُجريت له صورة شعاعية. أظهرت النتائج وجود مشكلة خطيرة في مفصل الورك (اليمين أو اليسار)، حيث كانت المادة الغضروفية (الجيلاتين) بين عظمتَي المفصل قد تآكلت. أكّد الطبيب أنّ الحل الوحيد هو الجراحة….

تقول والدته سامية:
“أنا ووالده شربل نذرنا لمار شربل وقلنا ما بدنا نعمل عملية، ونتّكل عليه”.
لكن حالة الطفل لم تتحسّن، بل ازدادت سوءًا. عندها عادت سامية إلى الصلاة وقالت لمار شربل:
“سأجري له العملية، ونحن ما زلنا نذيرين لك ومتّكلين عليك”.

أُجريت العملية الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، من دون نجاح يُذكر. ومع الوقت، صار كل تركيز العائلة على الأطباء والطب، وغاب النذر عن الذاكرة.
تقول سامية بمرارة:
“صار كل فكرنا عند الحكيم، ونسينا مار شربل”.
ست عمليات وتنقّل بين المستشفيات
خضع بشير في المجموع إلى ست عمليات جراحية:
ثلاث عمليات في أحد الوركين،
وثلاث عمليات في الورك الآخر.
أُجريت بعض العمليات في مستشفى أوتيل ديو، وأخرى في مستشفى بحنس، إذ إن بشير لم يكن يتعافى، وأصيب بفيروس نتيجة الإقامة الطويلة في المستشفى. نُقل إلى بحنس بسبب الحاجة إلى مناخ جبلي، وهناك كان مجفّصنًا لفترات طويلة. وبعد فكّ الجفصين، لم يكن قادرًا على تحريك رجليه، وكأنه مشلول، وكان بحاجة إلى علاج فيزيائي مكثّف وأدوية مضادّة للالتهابات.

العملية السادسة، والأخيرة، أُجريت مجددًا في مستشفى أوتيل ديو. بعد الجراحة، وفي منتصف الليل، حصل نزيف حاد. بدأ دم الطفل ينفد، واصفرّ وجهه كليًا، وفقد وعيه. الطبيب لم يكن موجودًا، وكان في الجبل، والبلاد تعيش ظروف حرب وقصف.
أعطى الطبيب تعليماته هاتفياً للممرضة:
“علّقوا له أكياس دم… كيسًا بعد كيس… إلى الصباح”.
لكن المشكلة كانت أكبر:
بشير طفل صغير، ويحتاج إلى دم طازج، ولم يكن في بنك الدم أي كيس مناسب.

تقول سامية:
“قطعت الأمل. صرت أبكي، وابني عم يروح بين إيديّ”.
لم يكن لديها هاتف لتتصل بزوجها أو بأي شخص آخر. كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل. عندها تعلّقت بمار شربل، وعاتبته بحرقة، وهي تضغط بيدها على جرح ابنها كي لا ينزف حتى الموت.

في تلك اللحظة، رأت سامية في نومها راهبة بثوب أزرق. لم تعرّف عن نفسها، لكنها لاحقًا أيقنت أنّها العذراء مريم.
قالت لها:
“لماذا أنتِ مهمومة وزعلانة؟”
روت لها سامية كل ما يجري، فقالت لها الراهبة:
“أديري ظهرك”.
نزعت الراهبة عن ظهرها شاشة زرقاء، وقالت:
“هذا هو الحمل الذي كان يثقلك… خلص، شلته عنك”…

استيقظت سامية موهولة من الحلم. بعد قليل، دخلت الممرضة راكضة وهي تقول:
“جاؤوا الآن بكيس دم طازج… ما زال ساخنًا!”
كان على كيس الدم اسم CHARBEL MAKHLOUF مطبوعًا طباعة، مع ساعة التبرّع، وفئة الدم +O.
أكد موظفو بنك الدم لاحقًا:
لم يأتِ أحد للتبرّع تلك الليلة،
وُجد الكيس فجأة على الطاولة،
كان طازجًا وساخنًا…

ما إن دخلت أول نقطة دم من هذا الكيس في عروق الطفل بشير شربل داود، حتى فتح عينيه، واحمرّ وجهه، وقال:
“ماما… بدي آكل”.
تقول سامية:
“ظننتها فوقة موت… خفت”.
لكن الممرضة فحصته فورًا، وأجرت تحليل دم، فكانت المفاجأة:
لم يعد بحاجة إلى أي دم إضافي.
توقّف النزيف، عاد الوعي، وعادت الحياة.

في اليوم التالي، أكّد الطبيب أنّ الطفل يستطيع العودة إلى البيت.
ومنذ ذلك اليوم:
لم يعد بشير إلى أي مستشفى،
توقّفت العمليات،
شُفي نهائيًا.

تقول سامية إنها كانت تنوي الصعود إلى عنايا لتسجيل الأعجوبة، لكن ظروف الحرب، ووجود أطفال صغار، وعدم وجود سيارة، حال دون ذلك.
لاحقًا، صعدت العائلة إلى عنايا لتلبيس بشير ثوب مار شربل. هناك، التقوا كاهنًا مسنًا أدخلهم إلى غرفة وقال:
“خذوا هذا الثوب، لا يوجد غيره”.
وكان الثوب، فعلًا، على قياس بشير تمامًا…

وقعت هذه الأعجوبة على الأرجح سنة 1984، وكان بشير حينها في عمر ثلاث سنوات أو ثلاث سنوات ونصف (مواليد 1980).
تشهد الأم سامية، المتعبّدة للعذراء وعضو أخوية الحبل بلا دنس، أنّ:
العذراء مريم رفعت الحمل،
ومار شربل أعطى دمه،
وشُفي بشير ….

يا مار شربل،
يا من عرفتَ أوجاع الجسد،
ولم تبخل بدمك حين كان الطفل بشير على شفير الموت،
نشهد اليوم أنّك ما زلت تعطي من ذاتك حياةً للذين يتّكلون عليك.
لك الشكر لأنك جعلت من نقطة دم قيامة،
ومن نزفٍ باب خلاص،
ومن ليل مستشفى فجر رجاء.
ويا مريم،
يا أمّ الرحمة،
يا من جئتِ بثوبك الأزرق في ساعة الانكسار،
ونزعتِ الحمل عن ظهر أمٍ موجوعة،
احملي عنّا أثقالنا كما حملتِ عنها همّها،
وغطّي أبناءنا بسلامك،
وثبّتي قلوب الأمهات حين يشتدّ الخوف ويطول الانتظار.
يا رب،
بشفاعة العذراء مريم
وبقداسة مار شربل،
احفظ كل مريض،
وعزِّ كل أمّ ساهرة،
واجعل من كل ألم طريقًا إلى نورك.
آمين.

© فادي شربل داود – جميع الحقوق محفوظة. يُسمح بمشاركة هذا المقال كما هو، شرط الإبقاء على اسم الكاتب وعدم حذف أو تعديل أي جزء من النص.

فادي شربل داود
١٠ شباط ٢٠٢٦

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,044,175