بقلم: نبيل حرب

بشرونا انه أقرّ مجلس الوزراء زيادة 300 ألف ليرة على سعر صفيحة البنزين، ورفع الضريبة على القيمة المضافة من 11 إلى 12 في المئة. قرارٌ قد يبدو في لغة الأرقام بسيطًا… لكنه في لغة الناس زلزال…
في بداية الصوم، في زمن التقشّف والصلاة والتوبة، تأتي الزيادات لتطرق أبواب الفقراء قبل الأغنياء. سيقال إن النقل ارتفع، وإن الأجور في القطاع العام ارتفعت، وإن الدولة تحتاج إلى موارد. لكن من يسأل عن عشرات آلاف الموظفين في القطاع الخاص الذين ما زالوا يتقاضون أقل من 300 دولار شهريًا؟ أقل من الحد الأدنى للأجور؟
إذا لم يصدق المسؤولون، فليسألوا إدارة الضمان الاجتماعي. هناك تُصرّح المؤسسات عن رواتب موظفيها. هناك تظهر الحقيقة بالأرقام لا بالشعارات.
هل يجوز أن نرفع سعر البنزين فيما الناس بالكاد تؤمّن لقمتها؟
هل يجوز أن نقول إننا أنصفنا موظفي القطاع العام، وننسى أن الموظف إنسان أينما كان؟ وأن الحقوق لا تتجزأ بين عام وخاص؟
لسنا ضد إنصاف أحد. بل نحن مع إنصاف الجميع.
لكن أي عدالة هذه التي تجعل موظفًا في القطاع العام يتقاضى ألفي دولار، فيما زوجته أو شقيقه في القطاع الخاص يقبض أقل من 300 دولار؟ أين العدل؟ وأين التوازن الاجتماعي؟
حين تُرفع صفيحة البنزين، لا ترتفع وحدها. ترتفع معها كلفة النقل والخبز والخضار والدواء والمدرسة… ترتفع أجرة التاكسي، ويرتفع معها وجع السائق الذي يعمل من الفجر إلى الليل ليؤمّن قوت أولاده. ترتفع كلفة انتقال الطالب إلى جامعته، والعامل إلى عمله.
أين النقل العام في بيروت؟
أين القطار الذي حلم به اللبنانيون منذ عقود؟
أين شبكة نقل حديثة تخفف عن الناس عبء البنزين؟
قبل أن نمدّ اليد إلى جيب الفقير، لماذا لا نمدّها إلى جيوب أصحاب المليارات؟
لماذا لا تُفرض ضرائب عادلة على الأرباح الكبرى التي لا تطالها الرسوم؟
لماذا لا تُستعاد الأملاك البحرية والنهرية المحتلة؟
لماذا لا تُفرض ضرائب على الكماليات بدل إعفائها؟
لماذا لا تستثمر الدولة مرافقها بشفافية فتجني الملايين بدل الهدر والفساد؟
الدولة القوية لا تبدأ بإثقال كاهل أضعف مواطنيها.
الدولة العادلة تبحث أولًا عن مكامن الهدر قبل أن تبحث عن جيوب الناس.
كم تنكة بنزين يستطيع الحد الأدنى للأجور أن يشتري؟
وإلى متى يتحمّل المواطن هذا الظلم؟
أنظروا إلى الشباب اللبناني.
أنظروا إلى الذين يهاجرون بحرًا، أو يغامرون بحياتهم في أبنية آيلة للسقوط، لأنهم فقدوا الأمل بحياة كريمة.
اليأس ليس رقمًا في تقرير… إنه وجوه شاحبة، وحقائب سفر، وأحلام معلّقة على مطار.
في زمن الصوم، يُفترض أن نقترب من الناس، لا أن نبتعد عنهم.
أن نخفف أوجاعهم، لا أن نزيدها.
أن نمنحهم رجاءً، لا فاتورة جديدة.
الضرائب التي لا تراعي العدالة الاجتماعية تتحول إلى ظلم مقنّن.
والسياسات التي لا ترى الفقير… تفقد شرعيتها الأخلاقية قبل أن تفقد شعبيتها.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الرسوم.
لبنان يحتاج إلى عدالة.
يحتاج إلى دولة تحمي مواطنيها بالتساوي.
يحتاج إلى قرار يخرج من القلب… لأنه حين يخرج من القلب، يصل إلى قلوب الناس.

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,037,867