بقلم: نبيل حرب

رئيس التحرير

من اجل تأمين السلامة المرورية والحد من حوادث السرعة الزائدة جاءت توجيهات وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار، حازمة وجازمة وحاسمة لمفارز السير وقطعات قوى الامن المعنية، بالتشدد في ضبط مخالفات السرعة عبر الرادارات التي بدأت مظاهرها تنتشر بكثافة في مختلف المناطق ومحاضرها تصدر تباعا وبالآلاف اسبوعيا، في خطوة ضرورية طال انتظارها،ولاقت ارتياحا عند الناس، توجيهات صارمة تهدف إلى كبح جماح المستهترين والمتهورين والمخالفين، ووضع حدٍّ لحالة الانفلات التي تهدد السلامة المرورية بشكل مباشر…
إلى جانب ضبط السرعة الزائدة، شدد الوزير اكثر من مرة وفي اكثر من تدبير على ضرورة التقيد بأنظمة السير بلا استثناءات، واحترام الإشارات الضوئية، وربط أحزمة الأمان، ومنع التلهي بالهاتف أثناء القيادة، مطالبًا بتشديد العقوبات على المخالفين من سيارات وتوك توك ودراجات نارية،وبلا واسطة ولا غطاء من احد، لا بدافع العقاب، بل بهدف الردع وحماية الأرواح…
فالوزير الحجار الذي سهر على الطرقات وفي غرفة التحكم المروري ليلة راس السنة لمنع حصول ضربة كف واحدة والحد من حوادث السير وقد مرت الليلة بسلام بفضل هذه التدابير، والذي يصل الى وزارته اول الواصلين ويغادرها آخر المغادرين يعير قضايا السلامة المرورية كبير الاهتمام ويعطيها الكثير من جهده ووقته، لأنه يدرك ان الطريق ليست ساحة لتصفية الحسابات، ولا مكانًا لاستعراض القوة أو التهور… هي مساحة مشتركة، يسلكها الأب متجهًا إلى عمله، والأم حاملة أطفالها، والشاب الحالم بمستقبله، وكبير السن الباحث عن أمانه… كل خطأ صغير قد يتحوّل إلى فاجعة لا تُمحى وقد يسقط ضحيتها ابرياء…
لكن، ورغم أهمية هذه الإجراءات، يبقى السؤال الأكبر: هل تكفي القوانين وحدها؟
الحقيقة المؤلمة ان التدابير لا بد منها وبدأت تعطي نتائج ايجابية في الحد من حوادث السير لكن المشكلة أعمق، إنها أزمة ثقافة مرورية، وأزمة وعي، وأزمة مسؤولية فردية قبل أن تكون أزمة رادارات أو محاضر ضبط…
لم تعد حوادث السير في لبنان مجرّد أرقام تُسجَّل في تقارير قوى الأمن، ولا أخبارًا عابرة في نشرات المساء بل باتت مأساة يومية، تتكاثر بلا رحمة، وتحصد أرواحًا بريئة بسبب السرعة الزائدة، والتلهّي على الهاتف الخليوي، والاستخفاف بقواعد السلامة العامة المرورية على الأوتوسترادات اللبنانية… لم يعد السائق يشعر بالأمان وهو يقود سيارته بهدوء فالدخول الى حلبة الطرقات بات مغامرة كبيرة، والخروج منها أشبه بولادة جديدة، بعدما تحوّلت في كثير من الأحيان إلى حلبات سباق وتشفيط وجنون، يغيب عنها الوعي، وتحضر فيها الفوضى، ويُقتل فيها الإنسان على قارعة السرعة وعدم المسؤولية والتهور واللامبالاة وهذا ما استدعى تدخلا عاجلا وبإشراف الوزير شخصيا رغم وفرة انشغالاته بقضايا وطنية اخرى…
ومع تقديرنا للجهد الشخصي والكبير الذي يبذله الوزير مشكورا في هذا المجال ونحن نعرفه ونتابعه، ان وقف نزيف الدم على الطرقات اللبنانية يتطلب ايضا تضافر الجهود: دولة تفرض القانون بلا تهاون وهي تقوم بذلك بلا هوادة وعلى الجميع دون استثناء، وإعلام يجب ان يرفع الصوت ويحذر وينبه ويرشد عبر برامج تثقيفية رادعة ومقنعة، ومدارس تُدرّس ثقافة السلامة المرورية من على مقاعد الدراسة، وأفراد يدركون أن احترام السير هو احترام للحياة… للوصول الى تخفيض السرعة على طرقاتنا، برفع منسوب الوعي والنضج والإدراك…
فلنضع الهاتف جانبًا، ونمسك بالمقود بضمير حي… لأن الحياة أثمن من رسالة ولايك وكومنت، وأغلى من سباق، وأبقى من لحظة تهوّر…
لبنان لم يعد يحتمل مزيدًا من الضحايا… وفي لبنان اكثر من مليون ونصف سيارة ولا يمكن ان نضع شرطي سير مع كل سائق، المطلوب من المتهورين القيادة بأخلاق وذوق لا خوفا من عقوبات ستكون مرتفعة وصارمة هذه المرة، بل حرصا على السلامة العامة فالطرق تطالبنا اليوم قبل الغد، بأن نختار الحياة بدل الانتحار والموت… نختار الوصول الى مقصدنا بدل الوصول الى القبر…

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,038,014