قاعة مجلس النواب ليست جائزة شعبية: لماذا يجب أن يخضع كل مرشح في لبنان لاختبار النزاهة والكفاءة قبل أن يُمنح سلطة القرار
بقلم: نورا علي المرعبي
في لبنان، لم تعد المشكلة الأساسية في من يترشح، بل في كيف نُقيّم. هذه الحقيقة قد تكون غير مريحة، لكنها ضرورية. لأن جوهر الأزمة التي نعيشها اليوم ليس فقط نتيجة قرارات خاطئة، بل نتيجة وصول أشخاص إلى قاعة مجلس النواب دون أن يخضعوا لمنهجية تقييم حقيقية قائمة على معايير الحوكمة، والشفافية، والكفاءة.
الديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع. الديمقراطية هي نظام قائم على الاختيار الواعي. وعندما يصبح الاختيار مبنيًا على الانطباع، أو التأثير، أو القرب الاجتماعي، بدل أن يكون مبنيًا على مؤشرات موضوعية قابلة للتقييم، تتحول العملية الديمقراطية من أداة لبناء الدولة إلى أداة لإضعافها.
الشباب اللبناني اليوم يعيش نتائج هذا الخلل بشكل مباشر. ليس كنقاش نظري، بل كواقع يومي يظهر في محدودية الفرص، وفي هشاشة الاستقرار، وفي تراجع الثقة بالمؤسسات. وهذا ليس نتيجة ظرف واحد، بل نتيجة تراكم قرارات اتُخذت من قبل أشخاص لم يتم تقييمهم وفق معايير القيادة المؤسسية قبل وصولهم إلى موقع القرار.
علم الحوكمة واضح في هذا المجال: جودة المؤسسات لا يمكن أن تتجاوز جودة الأشخاص الذين يديرونها. والقيادة العامة ليست مساحة للتجربة، بل مسؤولية تتطلب سجلًا واضحًا من النزاهة، وكفاءة مثبتة، واستقلالية في اتخاذ القرار.
النزاهة ليست صفة يُعلن عنها المرشح، بل نمط سلوك يمكن التحقق منه. هي القدرة على الالتزام بالمبادئ حتى في غياب الرقابة. لأن الشخص الذي لم يمارس الشفافية في مسيرته، لن يبدأ بممارستها بعد حصوله على السلطة.
والكفاءة ليست لقبًا، بل قدرة مثبتة على تحقيق نتائج. القيادة تتطلب فهمًا، وتحليلًا، واتخاذ قرارات تحت الضغط. غياب الكفاءة لا يؤدي فقط إلى ضعف الأداء، بل يؤدي إلى قرارات غير مدروسة، يدفع المجتمع بأكمله ثمنها.
الشفافية أيضًا ليست خيارًا تجميليًا، بل شرط أساسي لأي نظام قائم على الحوكمة الرشيدة. القائد الذي لا يكون واضحًا قبل الوصول، لن يصبح واضحًا بعد الوصول. لأن الشفافية ليست سلوكًا مرحليًا، بل ثقافة متجذرة في طريقة التفكير.
في عصر المعرفة الرقمية، أصبح تقييم المرشح أكثر دقة من أي وقت مضى. سلوكه العام، تاريخه المهني، حضوره المجتمعي، وخطابه، كلها تشكل مؤشرات يمكن تحليلها. القيادة الحقيقية تترك أثرًا يمكن قياسه، وليس فقط خطابًا يمكن سماعه.
والشباب اليوم يمتلكون القدرة على القيام بهذا التقييم. ليس لأنهم يملكون السلطة، بل لأنهم يملكون الوعي. الوعي هو الأداة الأقوى في أي نظام ديمقراطي. لأنه يحدد من يستحق أن يصل، ومن لا يجب أن يصل.
المشكلة ليست في نقص الكفاءات في لبنان. لبنان مليء بالكفاءات. المشكلة كانت دائمًا في المعايير التي تحدد من يصل إلى موقع القرار. عندما تكون المعايير غير واضحة، يصبح الوصول ممكنًا دون استحقاق. وعندما يصبح الوصول ممكنًا دون استحقاق، تتراجع جودة الحوكمة، وتضعف الشفافية، وتفقد المؤسسات قدرتها على أداء دورها.
إعادة بناء الدولة لا تبدأ من داخل قاعة مجلس النواب فقط، بل تبدأ قبل ذلك، في وعي الناخب. تبدأ عندما يصبح السؤال الأساسي ليس: من يطلب صوتي؟ بل: هل أثبت هذا الشخص، من خلال مسيرته وسلوكه وكفاءته، أنه يستحق أن يتحمل مسؤولية القرار؟
قاعة مجلس النواب ليست مكافأة. إنها موقع مسؤولية. ويجب أن لا يصل إليها إلا من يثبت، بوضوح، امتلاكه للنزاهة، والكفاءة، والاستقلالية، والالتزام الحقيقي بالمصلحة العامة.
هذه ليست دعوة سياسية. هذه دعوة إلى اعتماد منهجية تقييم علمية، قائمة على معايير واضحة، تضمن أن يكون الوصول إلى موقع القرار نتيجة استحقاق، لا نتيجة تأثير.
الشباب اللبناني اليوم ليسوا مجرد جزء من العملية الديمقراطية. هم العامل الحاسم في إعادة تعريف معاييرها. لأن كل صوت واعٍ لا يغير نتيجة فقط، بل يرفع مستوى المساءلة، ويعيد بناء الثقة، ويؤسس لمرحلة جديدة قائمة على الحوكمة والشفافية.
الدول لا تنهض بالصدفة.
الدول تنهض عندما يصبح الوعي معيارًا، وعندما يصبح الاستحقاق شرطًا، وعندما يدرك المجتمع أن منح سلطة القرار يجب أن يكون مبنيًا على التقييم، لا على الانطباع.
والتغيير الحقيقي يبدأ عندما نقرر، بوعي، أن قاعة مجلس النواب ليست حقًا لمن يطلبها… بل مسؤولية لا تُمنح إلا لمن يثبت استحقاقها.

