ما أعاد إلى ذهني تارجا هالونن، رئيسة فنلندا بين عامي 2000 و2012، هو منشور أعادت نشره مؤخرًا السيدة حياة شلهوب Hayat El Hajj Shalhoub . وهي الرئيسة الفنلندية التي أتيحت لي فرصة لقائها خلال اجتماع المعهد الدولي للصحافة في هلسنكي (1–4 حزيران/يونيو 2008).
أكثر ما شدّني في تلك المرأة التي تشبه جدتي وجدتك كان بساطتها في السلوك والتعامل، وإنسانيتها التي تشعرك بقيمتك في حضورها ، وذلك قبل أن تدرك مدى عظمتها. فقد افتتحت المؤتمر فور عودتها مباشرة من مهامها في القصر الرئاسي. وقد أدهشني كيف وصلت مع السائق دون مواكبات وتهريج كما العادة عندنا. خرجت من سيارتها في حضرة حرس الشرف. وصلت الى القاعة، وراحت تتصرف كسيدة منزل وام ومواطنة، منظرها لا ئق دون ان يؤشر الى الترف والموضة. كانت طبيعية وقد بدا واضحا بانّ السلطة لم تغيّرها، رغم قيادتها لبلد كان، خلال فترة رئاستها يقود الاتحاد الاوروبي، وكان من بين الأفضل عالميًا في التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية والشركات الرائدة.
في كلمتها، حذّرت الرئيسة هالونن من التهديدات غير المباشرة التي تواجه الاعلام. ابدت خشيتها من ضغوط السوق، وتركز ملكية وسائل الإعلام، والتأثيرات السياسية على نوعية ما نتلقاه من اخبار. وشدّدت على أهمية منع احتكار الحقيقة من قبل قلة، فيمسي من يحتكرون السوق محتركين ايضا للمعلومات.
ما اعجبني في المنشور الذي اعادت نشره السيدة شلهوب انّ الرئيسة هالونن قامت يومًا بحملة عامة عاشت خلالها لفترة قصيرة في الشارع، مرتدية ملابس بالية، لفهم واقع المشردين والفقراء بشكل مباشر. بحيث انه نقل عنها مقولة : «كان يمكن أن أكون متسوّلة أو لاجئة، لكن الحظ جعلني رئيسة… وهذا ما يجعلني أتعاطف مع من لم يحالفهم الحظ.». واني لا استغرب ان تقوم بمثل هذه الخطوة. كم نحن بحاجة ان نتأمل في ما ادلت به اليوم وفي كل يوم!
ثمة نماذج إنسانية لا يملك المرء أمامها إلا أن ينحني احترامًا. هناك شخصيات تمثلني، لأنها تحمل الانسانية. شخصيات مثل الرئيسة هالونن، البروتستانتية، أو البروفيسور جيفري ساكس، اليهودي، وساندرس وغيرهم. وجميعهم اناس يجسدون الانسانية الكونية التي تتجاوز الهويات الضيقة.
فلنتذكّر، بأننا جميعا بشر حتى في اقصى موجات خوفنا من الاخر. لنتذكر جيدا بأننا لم نختر طائفنتنا وقبيلتنا ومنطقتنا وهويتنا. فلتنتذكر اننا مخيرون فقط ان نكون اناسا او لا نكون، وهنا لب الموضوع.
كن إنسانًا، وافعل ما شئت، هذه قناعتي.
#مازن_عبّود






Total views : 7243381