بقلم د. هيام كيروز

يواجه الحكم الباكستاني متمثّلاً في الجيش ووكالات المخابرات ووزارة الداخليّة حزمة من التحدّيات الأمنيّة، أبرزها الهجمات الإرهابيّة التي ضرّجت بالدم الأشهر العشرة الأخيرة من العام 2024. ووفق تقرير عرضته الداخليّة أمام البرلمان، فان الفترة سالفة الذكر شهدت وقوع 1566 عمليّة إرهابيّة، فيما تمخّضت الحملات الأمنيّة المركّزة والدقيقة عن سقوط نحو 1340 إرهابيًّا. وسجّل إقايم خيبر Pakhtunkhwa المتاخم لأفغانستان (شمال – شرقي باكستان) أكبر عدد من المشكلات الأمنيّة، يتبعه إقليم بلوشستان المشاغب والذي يعجّ بحركات إنفصاليّة أدمنت على الإتجار بالمحرّمات. واللافت في هذا السياق أن الإرتفاع الملحوظ في الهجمات المسلّحة تفاقم منذ إستيلاء حركة “طالبان” الأفغانيّة على السلطة في كابول في 21 آب (أغسطس) 2021. وقد أصرّ قادتها على دعم وإسناد حركة “طالبان” الباكستانيّة في معاقلها الأساسيّة، وقد احتوى الجيش مخاطرها، دون ان يستأصلها، خصوصًا وانها منتشرة عنقوديًّا في أرجاء الخريطة الوطنيّة كاملة.

لماذا أصبحت “المناطق القبليّة” المتاخمة لأفغانستان بؤرة للعنف والإرهاب؟

الخلاف الحدودي بين إسلام آباد وكابول مردّه الى ترسيم خط Durand البريطاني.

تحالف طالبان – افغانستان وطالبان – باكستان أربك أمن إسلام آباد وبدّل أولوياتها الإستراتيجيّة.

يقع المقرّ الرئيسي لجهاز الإستخبارات الباكستانيّة Inter-Services-Intelligence المعروف إختزالاً بالأحرف الأولى ISI، في “النقطة الصفر”، في حيّ “سوق أبابرا “، في العاصمة إسلام آباد. ومنذ 23 أيلول 2024، أصبح الجنرال عاصم مالك مديرًا لهذه المؤسّسة التي ترقى نشأتها الى العام 1948، أي بعد عام واحد من إستقلال البلاد عن التاج البريطاني على يد رئيس “الرابطة الإسلاميّة” محمّد علي جناح. وخَلفَ في هذا الموقع الإستراتيجي الحسّاس الجنرال نديم أنجوم الذي شغل هذا المنصب طوال ثلاث سنوات (2021-2024) وقاد الثورة الصامتة في أروقة الأجهزة السريّة الباكستانيّة. ووفقًا للعديد من المراجع العالميّة، فان ISI تتبوّأ موقعًا متقدّمًا فوق رقعة الأجهزة العالميّة لفاعليّة ادائها في بلد تعداد سكّانه نحو 242 مليون نسمة، ويتشكّل من فسيفساء إتنيّة وعرقيّة وقبليّة. فهي تدير البرنامج النووي، وتؤمّن حمايته وسلامته بشكل دقيق وصارم، في مواجهة إسرائيل أولاً التي حاولت مرات عدّة تخريبه أو إغتيال علمائه وتقنييّه. لكن دون ان تُفلح في ذلك. و ISI تشتبك تقريبًا يوميًّا مع الجهاديين التكفيريين في منطقة القبائل، ووادي Swat ومنطقة بيشاور، حيث التغلغل الأصولي الذي يزرع الفوضى، ونشر التهريب وتجارة المخدرات والموبقات. كما انه شرّع أبواب المنطقة الممتدّة على طول الحدود الأفغانيّة لكل المارقين، الخارجين عن القانون. والجيش الباكستاني ورأس حربته الإستخباريّة، أي ISI، يستخدمان القبضة الحديديّة في متاهة منطقة القبائل التي ازدادت عنفًا منذ عودة طالبان – افغانستان الى الحكم في كابول، في 21 أغسطس 2021.

أولويات وهموم القيادة العسكريّة

لا شك ان حارس الأمن القومي وناظم الإيقاع السياسي هو الجيش، اللاعب الأكبر والأكثر فعاليّة في البلاد. ومنذ 24 تشرين الثاني 2022، بات له قائد جديد هو الجنرال عاصم منير الذي خَلفَ قائدًا كبيرًا، هو الجنرال قمر باجوا الذي ترك بصماته، وقاد المؤسّسة طوال 6 سنوات أي لولايتين كاملتين. وهذا استثناء في ذاته، وسابقة في تاريخ الجنرالات الباكستانيين. وقد وازن في العلاقات مع الولايات المتّحدة الأميركيّة والصين. وشارك في جلاء الجنود الأميركيين من أفغانستان، في آب 2021، ما ضاعف من علاقات الثقة بين روالبندي والبنتاغون. وحاذر التصعيد مع الهند التي هي عدّو تقليدي لباكستان بسبب المعضلة الكشميريّة، والجنرال منير يسير على خطى سلفه الجنرال قمر باجوا. وقد اقسم على اجتثاث الجهاديين التكفيريين، وعلى مهادنة نيودلهي وتحفيز الإقتصاد، خصوصًا انه يدعو رجال الأعمال الى تسديد الضرائب والمساهمة في الرقيّ الإجتماعي والثقافي. والعقدة التي تعترض مساره تتمثّل في التباعد مع حكّام كابول الطالبانيين، والمفارقة ان أسلام آباد كانت نصيرًا وداعمًا لحركة الملاّ عمر الطالبانيّة الأفغانيّة، زمن الاحتلال الأميركي لأفغانستان وإقامة نظام هجين موالٍ له في كابول. لكن اجتياح كابول وإقامة حكم الإمارة الإسلاميّة دفعا بالتناقضات التاريخيّة الى الظهور بين البلدين الجارين. ونقل الطالبانيون البندقيّة من كتف الى أخرى.

قوس من الحركات الجهاديّة

اللافت انه منذ تسلّم الجنرال عاصم منير قيادة الجيش في 25 تشرين الثاني 2022، ازدادت العمليات الإرهابيّة في باكستان، وهدّدت الأمن الوطني والقومي في آن، وتشكّل قوس من المخاطر والقنابل الموقوتة، تصدّرته حركة طالبان الباكستانيّة، المعروفة باسم (TTP) Tehreek-e-Taliban Pakistan بقيادة نور والي محسود. وانضمّت اليه قاعدة خرسان الإسلاميّة (EI-K) ، ومتمرّدو جيش تحرير بلوشستان (ALB) ، وهي الإقليم الأكثر إهتزازًا للأمن، في طول البلاد وعرضها. وتتفاعل فيه حركات إنفصاليّة متعدّدة. وشهد في الفترة الأخيرة هجمات على مشاريع لوجستيّة وتنمويّة صينيّة، في إطار الكوريدور الإقتصادي الصيني- الباكستاني (CPEC)، وهو أحد مكوّنات مشروع “الحزام والطريق” الهادف الى ربط الصين بالعالم عبر استثمار مليارات الدولارات في البنى التحتيّة على طول طريق الحرير الذي يربطها بالقارة العجوز. وفي أكثر من هجوم دموي قُتل مهندسون صينيّون كانوا يعملون في ضواحي مدينة كويتا، وهي عاصمة الإقليم الفقير، وذي النزعة الإنفصاليّة، مما أثار غضب بكين. فهدّدت سلطات إسلام آباد بوقف مدّها بالقروض، علمًا ان الصين والمملكة العربيّة السعوديّة هما من أوثق حلفاء باكستان الإستراتيجيين ومصدر دعم مالي وسياسي وإقتصادي. ولولا هذا الدعم السخيّ، لما تمكّنت الصناعات العسكريّة الباكستانيّة من تسيير عجلة الإنتاج بالقدر الذي تراهن عليه القيادات العليا، كما في مجمّع Taxila وغيره التابع لوزارة الإنتاج الحربي. والمعروف ان الصناعات العسكريّة الباكستانيّة قديمة، وترقى الى العام 1951، وتقوم بتصميم وتطوير وإنتاج وتصنيع مروحة واسعة من الأسلحة الخفيفة والثقيلة، مثل الدبّابات وطائرات التدريب والهجوم، إضافة الى الصواريخ وبناء السفن. ودخلت بكين شريكًا في هذه الصناعات التي بدأت تغزو الأسواق، والخليجيّة منها بشكل خاص.

عمق أفغاني إستراتيجي

والسؤال المحموم الذي يطرحه أكثر من مراقب يتعلّق بإنقلاب حركة طالبان الأفغانيّة على “العرّاب” الباكستاني بعد إستعادتها السلطة في كابول، في 15 آب 2021، وما هي الأسباب الجيو- سياسيّة التي أدّت الى القطيعة بين حليفيّ الأمس القريب والبعيد…؟

المعروف ان الحركة الإسلاميّة الأصوليّة التي سيطرت للمرّة الأولى على العاصمة كابول في 27 أيلول 1996، وأعلنت عن قيام “الإمارة الإسلاميّة” في أفغانستان، وبعدما نقلت العاصمة الى مدينة قندهار في الجنوب، واستمرّت في الحكم حتى العام 2001، عندما أطاح الأميركيون بها في أعقاب هجمات 11 سبتمبر، طوال تلك المرحلة المفصليّة، كان الطالبانيّون الأفغان تحت الجناح الباكستاني. واضطرّت إسلام آباد الى لَعبْ دور مزدوج مع الوكالات الإستخباريّة الأميركيّة لإنقاذ جلدها، وعلى الرغم من الضغوط التي مارستها واشنطن لدفع الجيش والإستخبارات الباكستانيّة للتخلّي عنهم، لم تفلح في ذلك. بل كانت الأراضي الباكستانيّة ملاذًا وملجأً لقادة الحركة الطالبانيّة، حتى ان زعيمها الملاّ عمر أقام في مدينة كويتا، عاصمة إقليم بلوشستان، وفي حماية ثلّة من رجال وكالة ISI الإستخباريّة، حتى وفاته في العام 2013. وعلى الرغم من الفاتورة الباهظة الثمن التي تكبّدتها إسلام آباد جراء هذا الإنخراط الى جانب إسلاميّي كابول، فقد تمسّكت بهذا الدور، وتحكّمت بمنزلقاته وأفخاخه، ليس فقط كرمى لعيون هؤلاء الملالي من صنف خاص، بل لأن المغارة الأفغانيّة بكل تقاطعاتها السورياليّة هي العمق الإستراتيجي لباكستان في مواجهتها الدائمة للهند. وكل الأثمان، مهما كانت باهظة، ترخص أمام هذه الأولويّة المطلقة. وكان الرئيس الأسبق لباكستان، الجنرال برويز مشرّف الذي توفيّ عن 79 عامًا في دبي، في 5 شباط 2023، وهو مؤسّس القوات العسكريّة بالباكستانيّة الحديثة، هو أول من اعتبر أفغانستان عمقًا إستراتيجيًّا لبلاده، أو حديقة خلفيّة لها. وقد انعكست هذه المعادلة، عمليًّا وواقعيًّا، يوم وصلت المواجهة بين إسلام آباد ونيودلهي الى الحافة النوويّة، في كارغيل، عام 1999. فخطّطت القيادة العسكريّة الباكستانيّة، يومئذ، لإرسال أسراب من مقاتلاتها الى المطارات الأفغانيّة لتجنّب الغارات الجويّة الهنديّة الأولى. وإستمرّ شهر العسل حتى العام 2021، يوم تحوّل الى طلاق مُبين بالعشرة.

كابول تتنكّر لإحتضان إسلام آباد

تكشف نشرة Intelligence Online الإستخباريّة الفرنسيّة، انه في 22 شباط 2023، وصل وزير الدفاع الباكستاني، خواجه محمد آصف ومدير وكالة الإستخبارات العسكريّة (ISI) وكان يومها الجنرال نديم أنجم، الى كابول، واستقبلهما نائب رئيس الوزراء الملاّ عبد الغني برادار. وطلب المسؤولان الباكستانيان إقفال الحدود التي يلامس طولها 2440 كلم. والتي جرى ترسيمها عام 1893 وفق خطّ الكونت البريطاني هنري مورتيمر، لأنها تعجّ بالمعابر غير الشرعيّة التي يسلكها قطّاع الطرق وبارونات المخدّرات والمهرّبون وخوارج السلاح. وأصرّا على اعتقال قادة طالبان – باكستان الذين أقاموا قواعد خلفيّة لهم في الأراضي الأفغانيّة، وإطلاق عجلة التعاون الأمني والإستخباري. وكانت صدمة آصف – أنجم كبيرة، عندما تبلّغا أن صقور قندهار، وهم أصحاب القرار الوازن على حساب حمائم كابول، لا يوافقون على فصم العلاقة العضويّة مع طالبان – باكستان، خصوصًا ان الحركتين تنتميان الى أثنيّة الشتون، وهم الغالبيّة في المنطقة الحدوديّة الأفغانيّة – الباكستانيّة، فضلاً عن التماهي الإيديولوجي، أي الأصوليّة الجهاديّة. ومنذ تلك الزيارة الصادمة، تفاقمت الهجمات الإرهابيّة ضدّ وحدات الجيش والشرطة وحرس الحدود، مضرّجة بالدم إقليم بلوشستان الإنفصالي ومنطقة خيبر – باختونخوا المتمرّدة، وقد عيل صبر قائد الجيش، الجنرال عاصم منير، فصبّ على كابول مخيّرا إياها بين التعاون مع إسلام آباد أو التحالف مع حركة طالبان – باكستان، وقرّر إجتثاثها بالقوّة الصارمة للحيلولة دون “طلبنة” مناطق واسعة من بلاده. والتركيز الأمني ينصبّ الآن على “منطقة القبائل” وهي البؤرة الأكثر إشتعالاً في الحيّز الحدودي الباكستاني.

بعد الزيارة الخائبة، إرتفعت وتيرة الهجمات المسلّحة في الأراضي الباكستانيّة، وذروتها الدمويّة كانت في الهجوم على مسجد في قلب مجمّع للشرطة في مدينة بيشاور، القريبة من الحدود مع أفغانستان، تمخّض عن سقوط 101 قتيل من عناصر وضبّاط الثكنة. كانت ذلك بمثابة نقطة الماء التي جعلت الإناء يفيض بين إسلام آباد وكابول. ووسط تبادل الإتّهامات والتلويح بالقطيعة والتصعيد الأمني، وصل وفد من علماء الدين الباكستانييّن الى قندهار برئاسة الشخصيّة المرجعيّة الشيخ محمّد تقي عثماني الذي يُطلق عليه في إسلام آباد لقب “شيخ الإسلام”، والتقى زعيم حركة طالبان الملاّ هيبت الله اخوند زاده، طالبًا منه التدخّل لــ “كبح جماح المسلمين في باكستان” من خلال فتوى دينيّة تلزمهم بالهدنة. غير ان نزيل قندهار خذل الملالي الزائرين وأبلغهم يوضوح ان “طالبان أفغانستان لن تقف الى جانب الدولة الباكستانيّة”، وثمة من قال أن طبق الإنتقام يؤكل باردًا لدى إسلامييّ كابول الذين لم ينسوا كيف ان إسلام آباد وقفت ضدّهم بعد إنضمامها الى التحالف المعارض للإرهاب، بعد إعتداءات 2001، واعتقلت زمن الجنرال برويز مشرّف، العشرات من قيادات طالبان، وسلّمتهم الى الولايات المتّحدة، مثل سفير طالبان في إسلام آباد الملاّ عبد السلام ضعيف الذي ما يزال يصف باكستان بــ “أشد أعداء أفغانستان”، وبعض عناصر طالبان قضى في السجون الباكستانيّة، على غرار الملاّ عبيد الله، القيادي المقرّب من مؤسّس الحركة الملاّ عمر والشيخ ياسر القيادي البارز في التنظيم، إضافةً الى آخرين لعبوا أدوارًا محوريّة في مسيرة الشورى الطالبانيّة.

عمران خان والكريكت السياسي

وتدحرج الخلاف بين حليفي الأمس، مثل كرة الثلج، وأدلى القيادي الطالباني، مولوي محمّد جنيد بدلوه في الصراع، كاشفًا ان نحو 1300 من عناصر الحركة، سواء من الصفّ الأول، أو الثاني والثالث، ما يزالون في عداد المفقودين، وقد اعتقلتهم أجهزة وأذرع الإستخبارات العسكريّة (ISI)، ولا تعلم الحركة شيئًا عن مصيرهم، كما ان منازل هؤلاء في باكستان قد جرى تفتيشها ونقل أجزاء من وثائق سريّة كانت في الخزائن. وربّما اطّلع الأميركيون عليها، ممّا فاقم في التوتّر والكيديّة وصولاً الى القطيعة التي كانت صامتة في أول الأمر. وهذا الشدّ والجذب كانت له تردّدات سياسيّة دراماتيكيّة في قلب الحكم، في إسلام آباد إذ تضامن رئيس الوزراء السابق عمران خان (18 آب 2018 حتى 10 نيسان 2022)، وهو صنيعة قائد الجيش السابق، الجنرال قمر جاويد باجوا، وقد تنكّر للمؤسّسة العسكريّة، فأطاحت به لمصلحة رئيس الحكومة الحالي، شهباز شريف، مع طالبان الباكستانيّة، وضمنًا مع حليفتها طالبان الأفغانيّة. وإمعانًا في التخريب، أنزل أنصاره الى الشوارع في المدن الكبرى، مثل إسلام آباد، روالبندي، لاهور، وكراتشي، وهي العاصمة الإقتصاديّة، المعروفة بإكتظاظها، وحصلت إرباكات وصدامات مع الشرطة، واضطّر الجيش لاعتقال عمران خان، لاعب الكريكت الدولي، مع عدد من أنصاره خوفًا من اتّساع التيار المناصر للطالبانيين على حساب الأمن القومي، واستقرار البلاد، والتحالف الصلب مع الصين والتنسيق مع الولايات المتّحدة الأميركيّة.

ولادة قيصريّة من رحم الهند

يتذكّر المتابعون والمراقبون ان عمران خان أدلى بشهادة يوم سقوط كابول بيد حركة طالبان وتحوّل أفغانستان الى “إدارة إسلاميّة”، أثارت الحيرة والبلبلة في إسلام آباد، جاء فيها ان “الحركة قطعت أواصر العبوديّة، وأثبتت للعالم انها حرّة أبيّة…”. وتأكّد بعد ذلك انه على علاقة ودّ وغزل مع العديد من قيادات طالبان – الباكستانيّة، وفي طليعتها زعيمها نور والي مسعود. وفي خضمّ التراكمات خرج وزير الدفاع، خواجه آصف، من موقف المراقب الصامت الى الهجوم السافر والمكشوف، وقال أمام البرلمان الباكستاني، في 31 كانون الثاني 2023، ان “طالبان- أفغانستان تساعد طالبان – باكستان في هجماتها داخل بلادنا. ولا بدّ من الإقتصاص منها وحشرها في الزاوية”. أجّج هذا الموقف غضب زعيم تيار قندهار في الحركة الطالبانيّة الأفغانيّة الملاّ هيبت الله اخوند زاده، فوصف دستور باكستان بانه غير إسلامي، وان كافة القوانين في المحاكم الباكستانيّة غير شرعيّة وغير إسلاميّة”. ولا شكّ ان العزف على هذا الوتر أمر خطير لا تقبل المؤسّسة الدينيّة والعسكريّة في إسلام آباد بالتشكيك فيه خصوصًا ان باكستان وُلدت أساسًا من رحم الهند لتعطي المسلمين عنوانًا قوميًّا لوجودهم، كما جاء في كتاب “إزدهار الإسلام في شبه القارة الهنديّة”. لكن الفكر الديني وتكاثر عدد الحركات والتيارات السلفيّة والجهاديّة والتكفيريّة، دفعا المؤسّسة العسكريّة الى إعادة ترتيب أمور البيت الداخليّة، في اتّجاه الحدّ من التعصّب المفرط، حتى ولو كان في نيودلهي حكم هندوسي متشدّد. ولذلك وصف الشيخ الفقيه محمد تقي العثماني القاضي في محكمة الشريعة الفيدراليّة من يقاتل الجيش الباكستاني بــ “البغاة” (الجماعة الخارجة على القانون).

حماية المواقع النوويّة

يجثم العديد من التحدّيات على كاهل المؤسّسة العسكريّة الباكستانيّة، لعلّ أبرزها وأشدّها خطرًا هو إمكانيّة تسلّل إرهابيين تكفيريين من حركة طالبان الباكستانيّة أو داعش خرسان أو أي تنظيم أصولي متطرّف، عبر ثقوب شبكة الحماية، والوصول الى أحد المواقع النوويّة، سواء كانت مفاعلات ذريّة أو مصانع إنتاج الماء الثقيل أو قواعد الصواريخ البالستيّة. ونجح الجيش الباكستاني حتى الآن في حماية البرنامج النووي من أعداء الداخل والخارج، وفي طليعتهم إسرائيل والهند. والثابت انه بين 1998 و 2003، تفاعلت أربعة أحداث قادت إسلام آباد الى إعادة تنظيم ومراقبة وحماية المجمّع النووي الباكستاني من خلال تشكيل قوّة ردع عالية التدريب تستند الى دفق إستخباري يؤمّنه ثلاثة أجهزة: ISI، (Intelligence Bureau) IB و (Directorate of Military Intelligence) DMI وهو جهاز الثوات البريّة. والأحداث الأربعة هي: القيام بتجارب نوويّة (1998)، إستيلاء العسكر على دفّة الحكم (1999)، ضغوط أميركيّة لحماية الترسانة النوويّة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. وأخيرًا، إنكشاف نشاط شبكة خان التي سوّقت سرًّا صادرات نوويّة الى دول مثل ليبيا وإيران. بهذه الطريقة أبصرت النور سلطة القيادة الوطنيّة التي تُمسك بالمفاتيح النوويّة وتُشرف على سلامة البرنامج المشعّ، وذراعها العملانيّة هي “فرقة الخطط الإستراتيجيّة”، وتُشكّل من عدّة الآف من العناصر العسكريّة – الأماميّة المتخصّصة التي تراقب أيضًا مهندسي وتقنيّي البرنامج النووي.

ستايكيو في كشمير

أمّا العبء الثاني الذي تواجهه المؤسّسة العسكريّة الباكستانيّة، فهو إرث الصراع العسكري الثقيل مع الجهاز الهندي، ومصير منطقة كشمير الجبليّة كان السبب المباشر لحروب 1947 – 1948، و 1965، وللنزاع الأكثر محدوديّة في إقليم Kargil عام 1999. والرئيس الراحل برويز مشرف كان دومًا يردّد ان “كشمير تسيل في دم كل باكستاني”، لكنّه كان في العام 2005 وراء الإنعطافة حول هذه المنطقة المتنازع عليها. إذ خرج على الخط التقليدي الرسمي حول تطبيق كافة قرارات الأمم المتّحدة الداعية الى إجراء إستفتاء لتقرير مصيرها وضمّها الى أحد طرفي النزاع. وطالب بحوار مباشر مع الهند يُفضي الى نزح السلاح وإطلاق إدارة جماعيّة من هنود وكشميريين وباكستانيين. وانطلقت هذه المبادرة من إعتقاد مشرف بان إستقلال الولاية غير مقبول لدى الطرفين المتصارعين، ولهذا السبب، همّشت الإستخبارات العسكريّة الباكستانيّة (ISI) جبهة جامو – كشمير المطالبة بالإستقلال، وأخذ الجنرال السابق في الإعتبار ايضًا تردّد وتحفّظات المجتمع الدولي معاداة الهند والإصطفاف الى جانب باكستان. وهذه معادلة شبه مستحيلة، وهنا تجلّت البراغماتيّة في مواجهة التشدّد الهندي إذ أصدر برلمان نيودلهي قرارًا عام 1994 يطالب بإنسحاب باكستان من الجزء الذي تحتّله منذ العام 1947، ويؤكّد على هنديّة المنطقة بشكل كامل. غير ان الضغط الأميركي على نيودلهي خفّف كثيرًا من غلواء التصلّب والشعور بالغلبة والتفوّق. وفي شباط 2004، أعلنت إسلام آباد وقفًا لإطلاق النار على طول الجبهة، وقلّصت عدد التوغّلات الجهاديّة وراء الخطوط الهنديّة، وأطلقت حوار الشجعان مع حكومة نيودلهي. وتوّج هذا المسار الرئيس آصف علي زرداري (زوج بنازير بوتو) عندما أعلن في 5 تشرين الأول 2008 ان الهند لم تشكّل تهديدًا في أي يوم، لكن اليد الممدودة لم تلقَ النتيجة المرجوّة. وبقيت الهند مصرّة على إضعاف باكستان.

عقيدة عسكريّة جديدة

لكن الأحداث ليست جامدة، والتطوّرات الداخليّة الهنديّة مثل هموم البيئة، وهواجس التنمية، وتداعيات الإنفجار الديمغرافي، دفعت حكومة الهندوسي المتصلّب، نارندرا مودي الى الحفاظ على الستاتيكيو القائم في كشمير، وتهميش قضيّتها إزاء مشكلات أكثر إلحاحًا. وأتى الإنسحاب الأميركي من كابول وعودة طالبان الى الحكم ليعيدا رسم التحالفات فانقلب الإسلاميّون على العرّاب الباكستاني، وخطبوا ودّ التنظيمات البشتوليّة المناهضة لإسلام آباد، على غرار طالبان باكستان التي تمارس العنف والإرهاب ضدّ الجيش والشرطة والمشاريع الصينيّة الحيويّة في البلاد. من هنا، غابت مسألة كشمير من مفكّرة أولويات إسلام أباد، وبات الخطر الداهم على أمن الدولة وإقتصادها وإستقرارها داخليًّا، وليس كشميريًّا. وأول من صاغ العقيدة الجديدة للعسكر الباكستاني هو الجنرال Qamar Javed Bajwa الذي قاد المؤسّسة العسكريّة منذ 2016 حتى نهاية 2022 في ولايتين متتاليتين، وهذا أمر إستثنائي، وخليفته الحالي، أي الجنرال عاصم منير، يتبنّى هذه العقيدة التي تركّز على أخطار الداخل، ساعيًا الى التوازن في العلاقات بين الصين والولايات المتّحدة. والدليل هو مشاركة باكستان في إجلاء الأميركيين من كابول في 30 آب 2021. والمثير للإنتباه هو البعد الإقتصادي – التنموي في العقيدة الجديدة للجيش الباكستاني. والجنرال منير، على خطى سلفه Bajwa، يهتم بالمسائل الإقتصاديّة ويتواصل مع الصناديق الدوليّة بحثًا عن قروض. كما انه يدعو رجال الأعمال الى إجتماعات دوريّة ويعطيهم حوافز. والأمر ذاته ينسحب على الصناعيين الذين يحثّهم على تسديد متوجّباتهم من الضرائب.

CIA – ISI: مدّ وجزر

شهدت العلاقات بين الإستخبارات الباكستانيّة (ISI) ونظيرتها الأميركيّة (السي.آي. ايه –CIA) حالات من المدّ والجزر، خصوصًا بعد هجمات 11 أيلول 2001، حيث اتّهمت واشنطن الباكستانيين بلعب دور مزدوج بينها وبين “قاعدة” بن لادن وجهاديين آخرين. ويمكن القول ان التعاون بين الوكالتين لم ينقطع أبدُا على الرغم من مراحل اللا-ثقة والإرتياب المتبادل، واستقرّ على معادلات ثابتة بعد الخروج الأميركي من المستنقع الأفغاني في 15 آب 2021. وبعد أقل من شهر على هذا الانسحاب في 9 أيلول 2021، وصل الى إسلام آباد مدير وكالة السي.آي.ايه، وليام بيرنز، وعقد لقاءً مطولاً مع رئيس ISI، وكان يومئذٍ الجنرال فايز حميد الذي كان عائدًا لتوّه من كابول في بداية موسم القطيعة مع “الوكالة ألإسلاميّة”. وتردّد في دوائر الخبراء ورجال المخابرات في إسلام آباد وروالبندي، ان بيرنز –حميد نفخا الحياة في جسد التعاون الإستخباري الأميركي – الباكستاني. وكان الدليل على هذا التفاعل المستجد تصفية زعيم تنظيم “القاعدة”، وريث أسامة بن لادن، المصري أيمن الظواهري، في كابول، في 31 تموز 2022، وقيل يومها ان الطائرة المسيّرة التي إنقضّت عليه، وكان على شرفة منزله في حيّ شيربور الراقي حيث يقيم أيضًا كبار مسؤولي طالبان، إنطلقت من إحدى القواعد الأميركيّة السريّة في باكستان، أو على الأقل، اجتازت المجال الجويّ الباكستاني بعد موافقة السلطات. ويُعيد هذا الإغتيال مشهديّة القضاء على بن لادن، في 2 أيار 2011، في مدينة أبوت أباد، الواقعة شمال شرقي باكستان. ولم يكن ذلك ممكنًا لولا التعاون الإستخباري واللوجستي الباكستاني مع القوات الخاصة الأميركيّة التي وجدت طريقًا سالكًا وآمنًا الى بيت زعيم “القاعدة” الحصين. ووفق مصادر باكستانيّة في روالبندي، فان الفضل في تثبيت التعاون العسكري والإستخباري بين واشنطن وإسلام آباد يعود الى الجنرال قمر جاويد باجوا، القائد السابق للجيش الباكستاني، فقد تعهّد بمنع عودة أفغانستان كملاذ لحركات الإرهاب المحلّية العابرة للحدود وكافأه الأميركيون بتجديد أسراب أف – 16 والحصول على تكنولوجيا عسكريّة متطوّرة، وأسهمت في صوغ الحالة الجديدة 3 عناصر أو مكوّنات متكاملة، أولها عزل رئيس الوزراء السابق عمران خان، وكان يناهض التعاون مع واشنطن، وثانيها، تفاقم الهوّة بين إسلام آباد والإمارة الإسلاميّة في أفغانستان، وثالثها، إختيار الجيش لــ شهباز شريف كرئيس للوزراء، وهو من دعاة التعاون البعيد المدى مع الأميركيين.

عن مجلة الجيش اللبناني _ باكستان عدد 465 آذار – نيسان 2025

مراجع البحث

Pakistan, un État sous tension – La documentation française – 2014

Histoire des Services secrets Pakistanais – L’ISI de 1948 à nos jours – Nouveau monde Éditions – 2016

Le Syndrome Pakistanais – Christophe Jaffrelot – Fayard – 2013

Géopolitique du Pakistan – Hérodote – N°. 139 – 2010

AFPAK (Afghanistan – Pakistan) – La documentation française – 2011

العلاقات الأميركيّة – الباكستانيّة في المجالات السياسيّة والإستراتيجيّة – المؤلف: علي صالح محمد عضيبة – دار عين للدراسات والبحوث الإنسانيّة والإجتماعيّة – القاهرة – 2007

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3554362
Total views : 7243271