







بقلم د. هيام كيروز
تعاقب العديد من الزعماء على سدّة الحكم في تركيا منذ إتّفاقيّة Sèvres في 10 آب 1920. أبرزهم مصطفى كمال (1881- 1938) الملقّب بــ “أتاتورك”، أي “أب الأتراك” الذي ألغى الخلافة، وأطلق الجمهوريّة التركيّة الحديثة، وعصمت إينونو، وكنعان إفرين، وتورغوت أوزال، وسليمان ديميريل، وعبد الله غُل، وصولاً الى رجب طيّب أردوغان. ويجمع مؤرخو الحالة التركيّة على أن هذا الأخير الملقّب بــ “السلطان” هو أشهرهم وأقواهم، وأطولهم حكمًا واستمراريّة في السلطة، ويحمل الرقم 12 في تسلسل الرؤساء. شغل منصب رئيس الوزراء بين 2003 – 2014، وترأّس بدلية إسطنبول بين 1994-1998. وأسّس “حزب العدالة والتنمية” (AKP) عام 2001، وقاده الى الإنتصار في انتخابات 2002، و2007، و2011، قبل أن يُتوّج رئيسّا عام 2014، إنطلاقًا من خلفيّة إسلاميّة. وبدا من الواقع والوقائع ان لا شيء يكبح صعوده؛ فقد قبض على السلطة شبه المطلقة. واكتسح في كل المعارك النيابيّة والرئاسيّة التي خاضها ضد منافسيه جميعًا في أحزاب المعارضة. وتخلّص من غالبية رفاقه في تأسيس حزب AKP، أمثال عبد الله غُل، وداود اوغلو، وعلي باباجان، بحجة أن مهرّجين اثنين لا يستطيعان اللعب على حبل واحد. فتجلبب بعباءة الزهو السلطانيّةـ وشيّد قصرًا رئاسيًّا في أنقرة يوازي في الحجم أربعة أضعاف قصر فرساي، ومسجدًا مطليًّا بالرخام الأبيض والذهب فوق أعلى تلة في إسطنبول. كما انه خطط لشق قناة بين البحر الأسود وبحر مرمرة، ورسّخ قبضته في الداخل بعد تطهير الجيش من الإنقلابيين، وعزّز سلطة المخابرات، وعطّل فتيل التمرّد الذي أشعله حزب العمّال الكردستاني منذ 1982. وعلى المسرح الإقليمي، طفا على السطح نفوذه لدى حركة حماس، ودوره الفاعل مع حكومة العربية الليبيّة، ودعمه لحاكم أذربيجيان ضدّ أرمينيا، و”اللعبة الكبرى” التي أمسك بخيوطها في سورية. ولم يُهمل المسرح الدولي، فتصالح مع الرئيس ترامب، وغازل الزعيم الصيني شي جين بينغ. ونسج شراكات مع القيصر الروسي. فالى أين يريد الوصول؟
الزلزال وطموح “السلطان”
أطلّ رجب طيب أردوغان (71 عامًا) على السلطة في أنقرة، على صهوة حزبه “العدالة والتنمية” AKP في تشرين الثاني 2002. ومنذ هذا التاريخ لم يترجّل عن الحصان في أصعب مسار تاريخي مُثقل بالتحدّيات والمفارقات والتناقضات. ولعلّ سرّ هذه الإستمراريّة يكمن في قدرته على التكيّف والتأّقلم مع الأحداث المستجدّة، مهما كانت عاصفة وساحقة، على غرار الزلزال الذي ضرب ولاية قهرمان مرعش، في بدايات شباط 2023، فقضى على 50 ألف شخص، وشرّد نحو مليون مواطن ومقيم. والأكثر إيلامًا وسط معالم الكارثة والآف الهزّات الإرتداديّة في الفالق الأناضولي، هو سيل الإنتقادات التي طالت الرئيس وحزبه، واتهمتهما بالسيطرة على قطاع الإنشاءات والتفريط فيه لمصلحة محسوبيات دون أي اهتمام بمعايير السلامة. وخرج معارضون من تحت ركام الصمت، وندّدوا بدورهم بــ “الدولة العميقة” القائمة على نخب ووجهاءمن “حزب العدالة والتنمية” لأنهم “منحوا عقود بناء مربحة على مدى سنوات لشركات صديقة مقابل دعم سياسي ومالي”. ويقول هنا أحمد داود أوغلو، وهو رئيس وزراء بين 2014 – 2016، ويلقّب بصندوق أفكار أردوغان” قبل ان ينشّق عنه ويؤسّس “حزب المستقبل” الذي بقي هامشًا وثانويًّا فوق رقعة الشطرنج التركيّة، إن “المباني تقتل في مناطق هاتاي، وقهرمان مرعش، وملوطيا الأكثر تضرّرًا، وليس الزلازل”. وتواترت التقارير عن فساد واسع فاقم في أعداد الضحايا. والمعروف ان شعبيّة أردوغان استندت الى قدرته الى استيلاد طبقة تركية وسطى، جديدة وعصريّة، ووفّر لها مساكن في متناول ميزانياتها ضمن منطقة الجنوب الشرقي، وخط المدن، والبلدات المحاذية للحدود السوريّة العراقيّة. ولا شك ان الزلزال وجّه ضربة قويّة للسلطان الجديد، وأضعف شعبيّته، لكنه لم يطرحه أرضًا مغميًّا عليه، والدليل انه حدث قبل 3 أشهر من انتخابات رئاسيّة وبرلمانيّة (14 أيار 2023) أسفرت عن انتخاب 600 عضو للجمعيّة الوطنيّة الكبرى، وخرج أردوغان وحزبه من المعمعة الإنتخابيّة رابحين ضدّ تحالف من 6 أحزاب معارضة، ما أثار علامات استفهام وتعجّب. وقيل يومها أنه حتى الزلزال لا يعوق طموح “السلطان” الذي انتزع ولاية رئاسيّة ثانية (2014 – 2019 – 2023) في انتظار احتمالات الولاية الثالثة عام 2028.
نكسة غير مسبوقة
لكن البقاء على القمة رهان مسحيل، وأحيانًا عديدة، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. وهذا ما حدث لأردوغان عام 2025 الذي يبدو عام الانتكاسة غير المسبوقة منذ 2014. وتمثّل الإخفاق في إنتخابات آذار البلدية. ولأول مرّة منذ تشكّله عام 2001، لم بعد حزب العدالة والتنمية التنظيم السياسي الأول، بل تراجع الى المرتبة الثانية، مسجّلاً خسارة نحو 5 ملايين صوت. وتصدّر خصمه اللدود والتاريخي، أي حزب الشعب الجمهوري، سليل الكماليّة الأتاتوركيّة، والمعروف اختزالاً بالأحرف التركية الأولى CHP، السباق البلدي الحسّاس، منتزعًا الموقع الأول منذ 1977. ولا شك أن الهزيمة في صناديق الإقتراع جعلت هالة “السلطان الجديد” السياسيّة تتآكل وتمحو صورة مناعته ولا – انتهازيّته. ويفسّرها الكاتب بكير اجيردير (Bekir Agirdir) بــ “تعب الناخبين الذين واجهوا مسلسل استحقاقات في وقت تراكمت الصعوبات والتحدّيات”، مضيفًا “أن الأتراك اقترعوا كل عام منذ 2011، دون انقطاع، دون أن يتغيّر شيء جوهري في حياتهم..”. واعترف أردوغان بــ “المنعطف الذي خلط الأوراق والمعادلات”، تبعًا ليوميّة لوسوار- Le soir- الصادرة في بروكسل، فاختار تهدئة الحياة السياسيّة، ومدّ يده الى منافسه الألد، زعيم حزب الشعب الجمهوري CHP، أوزغور أوزيل (Ozgur Ozel)، ودعاه الى لقاء في مقر AKP مع حلفائه المعارضين. وهذا أول لقاء من نوعه منذ 8 سنوات. لكن مفاعيله وفق صحيفة حرييت كانت محدودة جدًا. وبعدما صحّح أردوغان طريقة التعامل مع قواعده الحزبيّة، صاغ استراتيجيّة “ردم الفجوات” في الموازنة العامة. في اتجاه لجم التضخم وتسريع النمو وخفض البطالة. وهذه الإجراءات لم تستقم دون الضرب في “قرية النمل” التي شكّلها اللاجئون السوريون والآسيويون والأفغان. وحدثت مواجهات ذات طابع عنصري في قيصرية، وآثاشهير (إسطنبول) وغازي عينتاب، وطالبت المعارضة بترحيل الوافدين إنقاذًا للإقتصاد ومعيشة الأتراك. وسعى رجال السلطة الى توظيف هذا المطلب لتعويم شعبيّة متآكلة.
ورقة اللجوء السوري
والثابت أن اللاجئين السوريين لعبوا دورًا في المعادلة السياسيّة بين الحزب الحاكم ومعارضيه، وتحوّلوا من خلال كثافتهم العدديّة ومتاعب استيعابهم واحتواء التداعيات الإقتصاديّة لانتشارهم الى ورقة قويّة في يد المعارضة. ففي شارع “إي 5″، وسط العاصمة الإقتصاديّة، إسطنبول، ما تزال لوحة المرشّح الرئاسي السابق، كمال كليتشدار اوغلو مرفقة بصورته الى جانب كلمتين اختصرتا أحد عنواين برنامجه السياسي: “سيذهب السوريون”. ومنذ انتخابات أيار 2023، طفا على السطح ملفّ اللجوء السوري، وبرز كإحدى أقوى الأوراق التي استخدمتها المعارضة للتغلّب على أردوغان، الذي هدّد بدوره العواصم الأوروبيّة بفتح الحدود أمام تدفق المهاجرين إذا لم تفي بالتزاماتها تجاه أنقرة. وهذا الوعيد جعله يكسب 3 مليارات دولار ثمنًا للحدود المغلقة. وعند هذا المنعطف الدقيق، واستجابة لتحديّين كبيرين: تداعيات الزلزال، شباط 2023، في منطقة متحركة جيولوجيًّا، ذات طابع صناعي-زراعي، وتُسهم بــ 9.3 من الناتج المحليّ الإجمالي (PIB)، وعبء اللاجئين السوريين، كورقة رابحة في يد تحالف المعارضة، كان لا بدّ من خطوة جراحيّة خارج المألوف. فلجأ أردوغان الى وزارة الدفاع بعد تطهيرها من الإنقلابيين الموالين للداعية فتح الله غولن، حليفه السابق وخصمه اللدود راهنًا، الذي توفي لاجئًا إلى ولاية بنسلفانيا الأميركيّة في 20 تشرين الأول 2024. وكانت أنقرة اتّهمته بتدبير الإنقلاب الفاشل في 15 تموز 2016. كما أنه استنفر خلايا متخصّصة من جهاز مخابرات MIT ذات الأذرع الطويلة، وكان بقيادة وزير الخارجية الحالي خاقان فيدان، وخطّط لتحوّل سياسي كبير في دمشق، ضمن منظور استراتيجي جديد للعلاقات معها، يطوي صفحة أكثر من 50 عامًا من التجاور الصعب والمأزقي. وانطلق الهجوم من إدلب كملاذ أخير للمعارضة السورية التي استظلّت شمسيّة “العثمانيّة الجديدة”. وكان من بين مراميه إسقاط الحاجز الأخير لعودة الآف السوريين في الأصقاع التركيّة وسحب هذه الورقة الساخنة من يد حزب “الشعب الجمهوري” وحلفائه. ولا شك أن عنصرين حاسمين ومتكاملين قادا الى تحوّل 8 كانون الأول 2024. الإندفاعة من إدلب نحو حلب التي سقطت دون قتال، ومن ثم التوجّه الى دمشق التي شهدت الهروب الكبير للنظام، وانهيار الدولة والمؤسسات والليرة وسط عجز دراماتيكي فادح عن الافادة من دعم روسيا وإيران وأذرعها الإقليميّة، وهي الأطراف التي حافظت على ديمومته منذ 2011 وامدّته بشرايين الأوكسيجين الإصطناعي. وهنا بدا أردوغان الرابح الأول من التغيير.
وداعًا حزب العمّال
سارع “السلطان الجديد” إلى توظيف سقوط النظام الأسدي في تعطيل لغم اللجوء السوري الكثيف في أرجاء “امبراطوريته”، ومنع المعارضة من استثماره سياسيًّا وانتخابيًّا وبلديًّا. والمعروف أن اللاجئين، وقد لامس عددهم في بعض الأوقات نحو 3.2 ملايين شخص، شرعوا في مغادرة المخيمات تدريجًا والإستقرار في مدن الغرب التركي المعروف باسم شبه جزيرة الأناضول. ويضم إسطنبول، إزمير، بيرغاموت، بودروم، أفسس، وأدرنة، وكوساداسي التي تتوافر فيها فرص العمل بسبب جاذبيتها السياحيّة. ورتّب هذا النزوح الى المدن تحدّيات إقتصاديّة وأمنيّة. وفي كانون الثاني 2017، تقاربت أنقرة تكتيكيًّا مع روسيا وإيران في سورية ضمن مساراستانا، ممّا منحها فرصة تمدّد إضافيّة حول إدلب عُرفت بــ “منطقة خفض التصعيد”. فاستغلّت هذا الترياق الجغرافي لبناء منازل جاهزة وإفراغ بعض مناطقها من اللاجئين السوريين، لكن ذلك، على أهمّيته، لم يكن كافيًّا. إذ استمرّت المعارضة في النقر على ملف اللجوء لإضعاف حزب التنمية والعدالة (AKP) الحاكم. وتجاوزت بمطالبها ملاذ النازحين الجديد في إدلب وبعض أرياف حلب، وحماة، واللاذقية. وفي منصف 2018، بدأت التحضيرات والتدريبات لإسقاط النظام البعثيّ واحتلال دمشق، تطبيقًا للمثل القائل: “آخر الدواء الكيّ”. وخلاصة القول أن سقوط بشار الأسد بالنسبة الى تركيا الأردوغانيّة لا يقلّ أهمية عن انهيار الإتّحاد السوفياتي بالنسبة الى الولايات المتّحدة الأميركيّة, إذ جعلها تصيب هدفين بحجر واحد: فقء دملة النزوح السوري الكثيف وترسيخ أمن خاصرتها الجنوبيّة، من جهة، وصياغة فرصة ذات أبعاد تاريخيّة – إستراتيجيّة من جهة ثانية، مؤدّاها معالجة أم القضايا المأزقيّة في السياسة التركيّة، وهي المسألة الكرديّة. وأول الغيث في هذا المجال تمثّل في إلقاء حزب العمّال الكردستاني (PKK) سلاحه بعد النداء الذي أطلقه مؤسّسه عبد الله أوجلان السجين منذ 1999 في جزيرة إمرالي في بحر مرمرة. وقد حُكِم بالإعدام بتهمة الخيانة والإنفصاليّة. وقد بدأ مقاتلوه في مغادرة تركيا مع سلاحهم الى جبل قنديل في شمال العراق. ويبقى الهمّ الكردي الآخر لــ “السلطان” متمثّلاً في قوات سوريّة الديمقراطيّة (قسد) التي يقودها مظلوم عبدي منذ تأسيسها عام 2015، وتدعو الى الفيديراليّة وهي متحالفة مع PKK.
عقدة “قسد”
تضغط الأردوغانيّة على قسد ليس فقط لإلقاء السلاح كما الأمر مع مقاتلي حزب العمّال الكردستاني، بل تنشد في شكل خاص إدماج هذه القوات في دوائر النظام السياسي الجديد الذي أقامه الرئيس أحمد الشرع في مرحلة ما بعد بشار الأسد اللاجىء الى موسكو. وعملية انخراط الأكراد السوريين وحلفائهم من سريان وأشوريين تمّ التوافق عليها في مفاوضات شاقّة بين الدولة الجديدة وقيادة قسد في آذار الماضي، على ان تتم مراسمها قبل نهاية العام الحالي. لكن التعثّر والخلافات في وجهات النظر اعتورا المشروع برمّته. وتحدّث مراقبون عن تردّد مظلوم عبدي في المضي الى الأمام خوفًا من الذوبان في وعاء الدولة الكبير وضياع جهوده في بناء جيش نظامي قاتل داعش وكبّدها خسائر كبيرة بدعم موثوق من الأميركيين. كما أنه واجه بشجاعة جيش بشّار، كما جيش أردوغان. وأمام المراوحة شبّهه الكاتب خورشيد دليّ براقص Paso doble الإسبانيّة حيث يفترض الإيقاع خطوة الى الأمام وخطوتين الى الوراء. وهنا، دخل العرّاب أردوغان ورئيس جهاز MIT الذي أعقب حقّان فيدان، وهو ابراهيم كالين، وحذّرا قسد من سلوك مسارات خاطئة، وشدّدا على رفض أية انفصاليّة، معتبرين أن “وحدة سورية وسلامة أراضيها خط أحمر… ومن يتّجه نحو أنقرة ودمشق يربح، ومن يفتّش عن أوصياء آخرين يخسر”. وأبلغ وزير الدفاع التركي يشار غولر (Yasar Güler) أن بلاده ترغب في فكفكة عقدة وحدات حماية الشعب الكرديّة بالوسائل السلميّة وتستبعد أي لجوء الى القبضة الحديديّة من أجل تحفيز الإيجابيات في العلاقات التركيّة – الأميركيّة التي تمر الآن في مرجلة شهر عسل، والدليل وصول الرئيس الإنتقالي السوري الى البيت الأبيض في 10 تشرين الثاني الماضي. وهي الزيارة الأولى من نوعها لرئيس سوري منذ استقلال هذا البلد عام 1946. وقد لعبت الرياض وأنقرة دورًا محوريًّا في ترتيب هذه النقلة النوعيّة، كما أن “السلطان الجديد” التركي أقنع صديقه “القيصر الروسي”، فلاديمير بوتين” باستقبال أحمد الشرع في الكرملين، وهو اللقاء الذي تمّ في 15 تشرين الأول الماضي. وتركّز النقاش حول مستقبل القواعد الروسيّة في غرب سورية، والعلاقات الثنائيّة والارتقاء بها الى مستويات متطوّرة. لذلك كتبت يوميّة حرييت الواسعة الإنتشار أن الحزب الحاكم في أنقرة هو الرابح الأول من لعبة الروليت السوريّة بعد إبعاد إيران واجتثاث نفوذها وتحييد جاذبيات الحضور الروسي، والدليل هو أن الصادرات التركيّة الى سورية زادت بنسبة 55 في المئة منذ نهاية 2024.
سر نجاح الأردوغانيّة ؟
الحروف الأولى في أبجديّة الصمود والسيطرة والغلبة ترمز الى حزب العدالة والتنمية (AKP) الذي تشكّل في 14 آب 2001 على يد نوّاب انشقّوا عن حزب الفضيلة الإسلامي بعدما رفعوا عبثًا راية التجديد والتحديث في هيكليّته وصفوف مريديّة. وثلة المؤسّسين بلغ تعدادها 63 شخصًا بزعامة رجب طيب أردوغان، أول رئيس للتنظيم الجديد الذي يجسّد الجناح الإسلامي المعتدل في بلد الــ 86 مليون نسمة، ويطرح نفسه كتيار ديمقراطي محافظ وإصلاحي، مُدرجًا هدف تجاوز إرث عدم الإستقرار السياسي والأزمات الإجتماعيّة – التنمويّة التي عصفت بالبلاد بين 2000 و2015. وفي أول انتخابات خاضها الحزب في تشرين الثاني 2002، حقّق فوزًا ملحوظًا وحصد ثلثي مقاعد البرلمان في سابقة مدوّية لم تشهد دولة البوسفور مثيلاً لها منذ أكثر من عقد من الزمن. وفي 2003ـ، تسلّم أردوغان رئاسة الحكومة ودشّن حقبة حكم متّصلة الحلقات ومستقيمة الخط السياسي-الإصلاحي-التنموي، جاعلاً من AKP المؤسّسة الحزبيّة الأطول ديمومة على رأس هرم السلطة منذ الشرارة الأولى للتعدّديّة الحزبيّة عام 1946. وتًجمع شرائح واسعة من سكان أنقرة وإسطنبول وإزمير وملاطيا وأنطاكيا ان AKP هو المرادف للإستقرار السياسي بعد عقود من الخلل والهشاشة السياسيّة على يد حكومات ائتلافيّة لإدارة الأزمات. وقد تصدّر جميع الإنتخابات العامة منذ 2002، وقاد 4 حكومات متتالية حتى 2015ـ قبل أن يصوغ التحوّل نحو النظام الرئاسي عام 2017، ما مكّن أردوغان من انتزاع صفة “سلطان عثماني جديد”، حسب توصيف الفرنسي جان ماكرو (Jean Macrou) في كتابه “الإسلاموية وما بعدها في تركيا” (عام 2004)، منتزعًا صلاحيات واسعة في جاذبية واضحة نحو التوتاليتاريّة، وعدم مهادنة المعارضين لحزبه، وتعزيز نفوذ المؤسّسات المدنيّة على حساب العسكر. والثابت ان AKP واجه الجنرالات في أكثر من منافسة آخرها وأكثرها دويًّا، ما حدث بعد الإنقلاب الفاشل في تموز 2016، حيث جرت عمليّة تطهير منهجيّة ومحاكمات واسعة. وتقول نخب فكريّة في العاصمة الإقتصاديّة إسطنبول أن الحزب الحاكم ركّز على التنمية البشريّة ورفع مثلاً عدد الجامعات من 76 جامعة عام 2002 الى أكثر من 200 جامعة اليوم، وتحتضن 8 ملايين طالب.
ورقة MIT الإستخباريّة
وتكشف الحروف الأخرى في أبجدية الصعود والسيطرة والغلبة عن رافعة أردوغانيّة وازنة وذات فعّاليّة على المستويين الداخلي والخارجي، هي منظّمة الإستخبارات الوطنيّة والتركيّة (Milli Istihbarat Teskilati) واختزالاً MIT. تأسّست عام1965 وحلّت مكان “خدمة الأمن الوطني” التي تعود الى عام 1926، زمن مصطفى كمال أتاتورك. وعندما تسلّم وزير الخارجيّة الحالي، حقّان فيدان، دفّة القيادة، على رأس جهاز MIT في 25 أيار 2010، بادر الى إعادة هيكليّة جسمها التنظيمي، عددًا وعدّة وأقسامًا ووحدات متخصّصة في الأمن السيبراني. وحرص أردوغان على هذا التحديث البنيوي لأن الجهاز رأس حربة في مشروعه السياسي وطموحاته الإستراتيجيّة في الإقليم، وكما ان فيدان “الحليف الوفيّ” الذي يقرأ بدقّة في أفكار “السلطان”، كذلك خليفته على رأس MIT منذ 5 حزيران 2023، ابراهيم كالين، يسير في الخط ذاته ضمن تصليب عود الجهاز لتسهيل التدخّل “الإمبراطوري” في ليبيا، وسورية وأعالي القوقاز وصولاً الى الصومال والسودان والسنغال وغينيا بيساو وجمهوريّة الكونغو الديمقراطيّة (RDC)، دون أن ننسى جمهوريّة شمال قبرص التركيّة. في هذا الإطار وبرضى أردوغان الضمني، تشكّل قسم “العمليات الخارجيّة” في الجهاز بهدف استيعاب المخابرات العسكريّة. وهنا، تماهت منظّمة MIT مع وكالة المخابرات المركزيّة الأميركيّة وحصلت على تفويض من البرلمان لأوسع عمل استخباري في الخارج. لذلك فاوض فيدان وكالين من بعده حزب العمّال الكردستاني (RKK) في أوسلو وإمرالي، ولعبا أدوارًا سريّة حاسمة مع فصائل المعارضة السورية، وكذلك مع جيش الدبيبة في طرابلس الغرب. ودفعت “هواجس الداخل”، والإحتمالات الإنقلابيّة، وتصاعد قوّة المعارضة، الى بناء مقر جديد خارج أنقرة باسم “القلعة” التي طاردت انصار الداعية فتح الله غولن في جميع انحاء العالم. وفي نهاية 2022، ذكرت صحيفتان المانيتان، هما دير شبيغل أسبوعيّة ودي فيلت ان المخابرات التركيّة ضاعفت من أنشطتها التجسّسيّة في كافة الأرجاء الألمانيّة، نقلاً عن هيئة حماية الدستور”، أي المخابرات الداخليّة. وقد تمّ التحقيق مؤخّرًا في 17 حالة، وكانت الخلاصة ان “نشاط المخابرات التركيّة في ألمانيا، يتمحور حول عناصر من المعارضة، الكرديّة منها بشكل خاص، وهيئات ألمانيّة”. ولعل “أم المعارك” تخوضها MIT ضد الموساد الإسرائيلي و Vevak الإيراني اللذين ينشطان في الساحة التركيّة. وحقّق الجهاز الأردوغاني نجاحات في هذا المجال خصوصًا منذ عمليّة طوفان الأقصى واحتدام المواجهات. وأحيانًا يلجأ الى وكالة التعاون والتنسيق التركيّة (تيكا) للقيام باختراقات سياسيّة عبر قفازات القوّة الناعمة.
فوق البوسفور وتحته
استطاع طيّب رجب أردوغان بناء نظام إقتصادي – إجتماعي ديناميكي ومتماسك، يتّسم بقدر وازن من الإنتاجيّة الزراعيّة – الصناعيّة، يُسعفه في ذلك الموقع الجيو استراتيجي لتركيا على مفترق المضائق، المرافىء والممرات البحريّة. وفي العام 2022، بلغ الناتج القومي الخام (BIP) نحو 719 مليار دولار، متّكلاً على نمو تصاعدي وموارد متنوّعة ومستدامة طوال العقدين الماضيين، ممّا ارتقى بدولة الــ 88 مليون نسمة الى المرتبة التاسعة عشرة بين أقوى إقتصادات العالم. ومع نموّ سنوي بمعدّل 5.7 منذ 2010، تبوّأت تركيا موقعًا متقدّمًا بين اقتصادات الشرق الأوسط الأكثر إنتاجًا للموارد والثروات. والجانب القطاعي الأكثر ازدهارًا هو البناء والبنى التحتيّة. تكفي زيارة الى إسطنبول من أجل التقاط النبض العمراني المذهل في الجسور العملاقة فوق البوسفور وعديدها ثلاثة، ومترو الأنفاق الذي بناه اليابانيون تحت البوسفور، إضافةً الى مطار إسطنبول الدولي الجديد بقدرةٍ إستيعابيّة خارقة. وفي الفضاء الخاص بالعاصمة الإقتصاديّة تلوح غابة من الرافعات، والآليات، تسدّ الأفق لكثافتها وتردّد في مجالس إسطنبوليّة خاصة أن هذه النقلات النوعيّة مردّها الى تعزيز الحزب الحاكم للقطاع الخاص وتيسير حصوله على القروض الإنتمائيّة من أجل الإستثمار، وخلق فرص عمل، وتوظيف خريّجي الجامعات، والحدّ من هجرة الأدمغة. والثابت من الأرقام أن الذين يهاجرون من تركيا اليوم، هم في غالبيّتهم أكراد يتحدّرون من جنوب شرقي الأناضول، ولأسباب سياسيّة وإقتصاديّة معًا. ولا يخفي ان النظام لم يبرأ تمامًا من المحسوبيات، فأقام حوله دوائر من رجال الأعمال وخكّام المناطق ووجهاء العائلات. وهو، في النهاية، ذو عقليّة شرقيّة تتجاوز حكم المؤسّسات أحيانًا، وإن كانت المعارضة في المرصاد دائمًا تندّد بالمحاباة والأفضليات على حساب القوانين وميزان العدالة المختلّ على مستوى منح الإجازات وتلزيم المشاريع والمناقصات.
وادي السيلكون التركي
لا شك أن كلمة السرّ في الهبة الصناعيّة (طائرات، مسيّرات، أدوات تقنيّة حديثة)، والنقلة الزراعيّة، وتحسين مستوى المعيشة للمواطنين هي الإستقرار السياسي والرسوخ الأمني، ما خلق بيئة جاذبة للإستثمار. وكان الهمّ الرئيسي في فكرة أردوغان جعل تركيا مركزًا لوجستيًّا متقدّمًا في سلاسل التوريد والإمداد العالميّة. وتبلور هذا البعد بشكل خاص منذ اندلاع الحرب الروسيّة – الأوكرانيّة. كما أن النفط الأذري الذي يذهب يوميًّا الى الخزّانات الإسرائيليّة في حيفا يمرّ في أنبوب بُدعى باكو جيهان التي هي مدينة تابعة لمنطقة أضنة، وتُعتبر ميناءً حيويًّا على البحر المتوسط. تُضاف الى هذا البند المشاريع اللوجستيّة الخاصة بالبنية التحتيّة مثل الجسور، والطرق البريّة، وخطوط السكك الحديديّة، والموانىء والمعابر. ويُجع المتابعون على أن القاطرة الجديدة للإقتصاد الأردوغاني هي اقتحام القطاع الصناعي لمجالات متطوّرة، ذات أبعاد رياديّة تتمثّل في الصناعات الدفاعيّة الحسّاسة والتكنولوجيا الجديثة الخاصة بالسيارات والآلات والعربات والطائرات والمسيّرات، فضلاً عن الروبوتات المبرمجة ودخول قطاع الذكاء الإصطناعي. وأطلقت الحكومة وادي السيلكون التكنولوجي الخاص بتركيا على غرار وادي السيلكون الأميركيّة (جنوب سان فرنسيسكو في ولاية كاليفورنيا). وأسّست منذ بداية 2019 وكالة الفضاء التركيّة التابعة لوزارة العلوم والتكنولوجيا، وهي تعمل في علاقة وثيقة مع معهد توبيتاك لأبحاث تكنولوجيا الفضاء. ومن المقرّر أن يهبط الأتراك على سطح القمر عام 2028 وهذا الهبوط ليس مجرّد حلم دونكيشوتي بعدما عبّدت أنقرة الطريق أمام الأدمغة المتخصّصة، ورصدت الميزانيات الملائمة، ونسجت الشراكات اللازمة مع روسيا والصين. وفي المفكرة إنشاء منطقة تطوير تقنيات الفضاء، وتدريب روّاد فضاء أتراك في معاهد متخصّصة في أنقرة وإسطنبول، كما يكشف مراد كوروم، وهو وزير للبيئة والتعمير والتغيّر المناخي. ومن المنتظر أيضًا توقيع عقود تتعلّق بمشاريع “ميلكار” و “ميلكيد” المرتبطة بأنظمة الإتّصالات الفضائيّة والحرب الإلكترونيّة وهي برامج العام 2026.
“بيرقدار” تحسم حرب القوقاز
ويتحدّث الأتراك بنوع من الخيلاء، وحتى المعارضين منهم، عن “مفخرة” الصناعات العسكريّة لديهم، وهي الطائرة المسيّرة بيرقدار اقنجي (Bayraktar Akinci) التي طوّرتها شركة Baykar Savunma لتصنيع الطائرات دون طيّار، وبدأت التحليق في آب 2019 بمحرّك توربيني أوكراني. وبعد رحلة تجريبيّة، تمّ نقلها الى قاعدة جورلو العسكريّة الخاصة بالقوات المسلّحة التركيّة. والى جانب أنقرة، تستخدمها باكو، واسلام آباد، وطرابلس الغرب، والرباط (منذ شباط2025)، ومقديشو (منذ آذار2025)، وبوركينا فاسو. والى جانب هذه المتسلّلة الكاميكزيّة، هناك شقيقة لها تدعى بيرقدار TB2 التكتيكيّة التي تقوم بعمليات المراقبة والهجوم ويمكنها التحليق على ارتفاع 25 ألف قدم مدّة 20 ساعة متواصلة، وتنقضّ على أهدافها في الليل والنهار. والملاحظ أن الطلب الإقليمي والعالمي زاد في الفترة الأخيرة على المسيّرات التركيّة، وفي صدارتها بيرقدار TB2، باكورة الإنتاج التركي التي استخدمها بكثافة الجيش التركي في شمالي سورية بدءًا من 2016، وفي ليبيا ضدّ قوات الجنرال حفتر في 2019. والثابت ان القوات الأذرية التي استعادت اقليم ناغورنو كاراباخ (ارتساخ) في نهاية أيلول 2023، لجأت الى مسيّرات بيرقردار TB2 التي زوّدتها بها أنقرة التي تُعدّ الداعم الأساسي للرئيس الأذري إلهام علييف (الى جانب إسرائيل) وثمة استراتيجيّة متكاملة صاغها السلطان أردوغان لجنوب القوقاز تستبعد أرمينيا وتحاصرها. وتُعدّ أنقرة الداعم المحوري لأذربيجان في الإقليم، وهي الكوريدور للنفوذ الأردوغاني في منطقة القوقاز. وما يجمع بين أذربيجان ودولة البوسفور هو اللّغة التركيّة، خلافًا للمذهب الديني. فالأذاريون شيعة مثل إيران، والأتراك سنّة وعلويّون في غالبيتهم، ولعبة المصالح هي الطاغية على العلاقات، يتصدّرها النفط والغاز والأنابيب والمصبّات البحريّة، منذ إستقلال باكو، بعد الإتّحاد السوفياتي، في 30 آب 1991. وبلغ هذا التلازم ذروته مع الثنائي أردوغان – علييف، وتجسّد في دعم مطلق لباكو خضّم نزاعها مع يرقان، وفي رفع شعار “أمة واحدة – دولتان”، كما في إبرام “إتّفاقيّة الشراكة الإستراتيجيّة والدعم المتبادل” عام 2010. ولعلّ “المجلس التركي” الذي تأسّس في 3 تشرين الأول 2009 في مدينة نخجوان (Naxcivan) الأذريّة، ويضمّ تركيا، وأذربيجان، وكازاخستان، واوزبكستان، فضلاً عن قرغيزستان، هو التعبير الأكثر مباشرة ووضوحًا لخريطة النفوذ التس صاغها السلطان في أعالي آسيا.
حديقة أفغانيّة خلفيّة
وفي سياق هذا التمدّد، سعت الأردوغانيّة الى غرس راياتها في أفغانستان التي لا تشترك معها في حدود بريّة، وعرضت المساعدة في إدارة مطار كابول على سبيل الطُعم الجاذب للتدخّل، وعندما حصل الإنسحاب الأميركي الدراماتيكي من العاصمة الأفغانيّة في 30 آب 2021، قال حقّان فيدان يومها، وكان ما يزال بعد رئيسًا لجهاز MIT الإستخبراتي: “نرفض ان نكون كومبارس في المشهد الأفغاني”. وطلب ضمّ شخصيات من الأقليّة الأوزبكيّة أو التركمانيّة الى حكومة كابول التي تشكّلت بعد رحيل الأميركييّن. فجاءه الرفض من وزير الخارجيّة الطالباني أمير متّقي الذي وافق في المقابل على زيارة أنقرة لــ “شدّ العرى وتوثيق التعاون”. وبدا واضحًا، مرّةً جديدةً، أن العرق التركي هو ورقة أنقرة لمدّ رقعة نفوذها في المدى الأفغاني، والجوكر الذي تعوّل عليه هو نائب رئيس أفغانستان بين 2014 – 2020، عبد الرشيد دوستم الذي يعيش لاجئًا في إسطنبول بعد سيطرة طالبان على الإمارة الإسلاميّة. ودخلت الأردوغانيّة بقوّة على خط النزاع الدموي المستجد بين باكستان وأفغانستان. واستضافت أنقرة جولة مفاوضات ماراتونيّة بين البلدين لم تُسفر عن أية تسوية. وقد تعهّد نائب الرئيس التركي جودت يلماز ورئيس دائرة الإتصال في قصر الرئاسة برهان الين دوران الإستمرار في الوساطة الى جانب قطر ذات النفوذ والتاثير البارد لدى الحركة الطالبانيّة الإفغانيّة، والرهان الآن على الهدنة كمدخل الى الحلّ.
اختراق المنازلة الروسيّة – الأوكرانيّة
ومنذ الشرارة الأولى للحرب الأوكرانيّة، سارع أردوغان الباحث عن شراكات في لعبة المصالح، الى التقارب وتوثيق العلاقات مع القيصر الروسي، فلاديمير بوتين، وأبرم معه في نهاية 2023 بروتوكول تعاون رسم خريطة طريق لمسار مرصود على السنوات العشر القادمة. وتركّز على الطاقة والزراعة والصناعة والسياحة والمقاولات والجمارك.وضاعف من استخدام الليرة التركيّة والروبل في المبادلات. وبات اول مفاعل نووي تركي صناعة روسيّة على يد شركة Posatom وسوف يُصار الى تدشينه عام 2028. وهذه الطفرة في التواصل والتلازم لم تحل دون استقبال الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلنسكي على ضفاف البوسفور في 15 أيار 2025. وبذلك أرسل الزعيم التركي إشارة ذات دلالات مفادها ان بلاده لاعب رئيسي في تشكيل مستقبل أوكرانيا. وتتطلّع الى سيناريوهات ما بعد الصراع، بما في ذلك الإشراف على وقف النار، ولو تمّ بالعصا السحريّة الأميركيّة. وهذان المساران المتوازيان جعلا من أردوغان وسيطًا مرغوبًا فيه، سواء في أروقة الكرملين، كما في الرئاسة الأوكرانيّة التي تسلّمت حزمة من المعدّات العسكريّة التركيّة بينها مسيّرات Bayraktar. هذه الإزدواجيّة تسبّبت بصليّة إنتقادات للأردوغانيّة، لكن “السلطان” لم يخفّف من ديناميّة لعبته القائمة على ثنائيّة النفوذ السياسي والمصالح الإقتصاديّة. فأطلق مبادرة “حبوب البحر الأسود” التي تقوم على ممر مائي كشريان حياة لأكثر من 350 مليون شخص، ما انعكس إيجابًا على الإقتصاد الأوكراني المضطّرب. ونجحت جهود أنقرة الدبلوماسيّة في ترتيب صفقات تبادل أسرى روس وأوكرانيين، ومن المتوقّع ان يوظّف أردوغان هذا الإختراق “النوعيّ” بين قطبي المنازلة التي تُدمي الطرفين، في رفع أسهمه الإنتخابيّة في معركة الولاية الثالة عام 2028.
معضلة العلاقات الأميركيّة – التركيّة
ويعرف وريث الكماليّة الأتاتوركيّة ببراغماتيته وتجربته أن كل الطرق السياسيّة والعسكريّة تقود الى واشنطن، خصوصًا في الزمن الترامبي. ومرّت العلاقات الثنائيّة بين واشنطن – أنقرة في وضعيّة المدّ والجزر. وأصعب الأزمات كان في 12 تموز 2019 عندما بدأت أنقرة تتسلّم أنظمة الدفاع الجويّ الصاروخي الروسيّة “إس -400″، في تحدٍّ مكشوف للتحذيرات الأميركيّة. وبدت العاصمة التركيّة في هذه المشهديّة كخصم للعمّ سام وليس كحليف إستراتيجي. ولذلك نفّذت واشنطن تهديداتها وأخرجت أنقرة من برنامج مقاتلات إف 35. وغادر الطيّارون الأتراك المتدرّبون القواعد الأميركيّة في نهاية تموز من العام ذاته. وهنا لوّح “السلطان” بإغلاق قاعدة انجرليك التي تُعدّ حصنًا جويًّا رئيسيًّا في تركيا، وشيّده الأميركيون في جنوب البلاد عام 1951، في أقسى ظروف الحرب الباردة. وتبوأت تركيا موقع الصدارة الإستراتيجيّة لدول الناتو في تلك الحقبة، في مواجهة موسكو السوفياتيّة، وشكّلت الجناح الجنوبي لحلف الأطلسي. وتبعد انجيرليك نحو 400 كلم عن الحدود السوريّة. وخطورتها تتمثّل في كونها مخزنًا لرؤوس نوويّة أميركيّة وتُقدّر دوريات فرنسيّة وبلجيكيّة متخصّصة، ومنها أسبوعيّة Air et Cosmos أن المخزون المشع الأميركي يبلغ نحو 50 قنبلة حراريّة من طراز بي 61، جزء منها هيدروجيني. والمعروف أن واشنطن نشرت في الدول الأعضاء في الأطلسي، بما فيها تركيا، نحو 180 سلاح نووي منذ العام 1945. والباب العالي التركي عضو في الناتو منذ 1952. لا شكّ أن المسح البانورامي للسياق التاريخي للأحداث يظهر ان أميركا عانت دائمًا من مشكلات مع جميع حلفائها وأعدائها. وتركيا تقع داخل هذا القوس من المدّ والجزر، والليونة والتشدّد، والبراغماتيّة المصلحيّة والراديكاليّة المبدئيّة. وكما يقول رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو (2014 – 2016)، وهو أبرز مفكّري حزب العدالة والتنمية، فان هناك عوامل متداخلة جعلت العلاقات بين واشنطن وأنقرة في غاية التشابك والتعقيد لأسباب تاريخيّة وجيو-استراتيجيّة ومصالح مؤسّسيّة من الصعب تجاوزها في معادلات الدبلوماسيّة الأكثر اختراقًا، والموازين والأوزان الإقتصاديّة-العسكريّة-الإستخباريّة. ومع إنتزاع البيزنس مان، دونالد ترامب ولاية أولى (2017 -2021) طُوي جزء من المشكلات المتراكمة، وتراجع التصعيد وتوجّه أردوغان للتقارب مع القيصر الروسي والمارد الأصفر الصيني. فأسفر هذا الإنعطاف عن وصلة من عضّ الأصابع الأميركيّة-التركيّة، ما مهّد لنوع من “عناق المصالح” في الولاية الثانية لـترامب الذي لا يتردّد في الإشادة بــ “سلطان العثمانيّة الجديدة”، ملوّحًا بتزويده بمقاتلات إف-16، وإذا لزم الأمر بــ إف-35، “جوهرة” الترسانة الجويّة الأميركيّة.
2028 محرقة أم عبور آمن؟
تؤكّد تركيا الأردوغانيّة على موقعها في خرائط النفوذ والأدوار كقطب إقليمي من الصعب الإلتفاف عليه، بفضل الجغرافيا، والوزن الديمغرافي (86 مليون نسمة)، والقاعدة الإقتصاديّة بديناميّة مشهود لها. وهذه المميّزات والمزايا ذات قدرة على الجذب والإغراء، كما انها تنطوي على مفاعيل مقلقة. وفي خلال أكثر من 20 عامًا، وهو يمسك بدفّة السلطة، نجح أردوغان في تطوير وتحديث بلاده في العمق، فارضًا نفسه كصانع “المعجزة الإقتصاديّة”، ومُلزمًا جيشه وإنكشاريّته بالإنتشار في مسارح النزاعات والحروب في سورية، وليبيا، وشمال العراق وصولاً الى القوقاز، حتى تخوم الخلاف والسخط مع شركائه التقليديين، أي الولايات المتّحدة الميركيّة والإتّحاد الأوروبي. وكقائد إصلاحي، عانق منذ 2003، عند وصوله الى السلطة كرئيس حكومة، حلم الإنضمام الى مؤسّسات القارة العجوز، لكن توجّهاته الأيديولوجيّة غلبت براغمانيّة البدايات، وسعى الى إضعاف الجيش لكي تخلو الساحة أمامه لممارسة التوتاليتاريّة، وقد هندس نظامًا رئاسيًّا على قياس طموحاته، وهدفه زرع بصماته في التاريخ على غرار مؤسّس الجمهوريّة مصطفى كمال الملقّب بــ أتاتورك الذي لم يترك مناسبة إلاّ وتنكّر لميراثه. ويتطلّع الى بناء “قرن تركيا”، لكن الرياح لا تهبّ في اتّجاه واحد، ويشعر الربّان بأن سفينته تعبر المضيق بصعوبة، وهذا هو استحقاق 2028 الذي يستعدّ له الحزب الحاكم لتتويج السلطان لولاية رئاسيّة ثالثة، ذلك ان المعارضة بأحزابها الستة تشحذ أسنانها بقوّة. وسجين زنزانة بحر مرمرة، رئيس بلديّة إسطنبول، أكرم إمام أوغلو (55 عامًا) هو التحدّي الأبرز، ويشكّل خطرًا على حظوظ أردوغان.
مجلة الجيش _ تركيا عدد 469 تشرين الثاني – كانون الأول 2025
مراجع مختارة
– Diplomatie (Août-Septembre 2021) Géopolitique de la Turquie: les grands dossiers N°.69
– Le Service Secret Turc: Milli Istihbarat Teskilati: Guerre sur tous les fronts
Constantin Pikramenos, Savvas Kalenteridis, Va Editions – 2020 – France
– La Turquie, un partenaire incontournable: Didier Billion – Edition Eyrolls – 2021
– Russie – Turquie, un défi à l’occident? Ouvrage réalisé sous la direction d’Isabelle Facon- Editions: Passés Composés – 2022
– La Turquie: L’invention d’une diplomatie émergente: Janna. J. Jabbour Paris- CNRS – Editions 2017
– La Révolution Kurde – Le PKK et la fabrique d’une
Utopie – Olivier Grojean Paris- La Découverte – 2017
photos :google















Total views : 7243318