جوانا فرحات
المركزية- ما جرى عصر السبت الماضي في ساقية الجنزير في بيروت ليس مجرّد إشكال أمني عابر، ولا يمكن فصله بسهولة عن الحادثة التي طالت كاهن رعية كنيسة مار يوسف الأب ربيع تحومي في منطقة العمارية- الرويسات، وإن كانتا ظاهرياً منفصلتين في المكان والزمان والانتماء. لكن في العمق فإن ما حصل في ساقية الجنزير والرويسات في المتن الشمالي يكشف عن مناخ التوتر الكامن على أرض الواقع وسهولة الانزلاق من الاحتكاك إلى المواجهة.
في التفاصيل الموجزة بدءا من ساقية الجنزير، حيث دخلت قوة من جهاز أمن الدولة إلى حيّ ذي حساسية اجتماعية وسياسية، لتتحوّل العملية سريعاً إلى اشتباك مع شبّان من أبناء المنطقة. الروايات تعدّدت، لكن الثابت أن منسوب الثقة بين الناس وأجهزة أمنية معينة لم يعد كما كان، وأن أي تحرّك ميداني، مهما كانت أسبابه، بات قابلاً لأن يُفسَّر كاستفزاز أو استهداف.
وعلى بعد بضعة كيلومترات صدمة من نوع آخر. فالتعرّض لكاهن في منطقة يفترض أنها هادئة نسبياً، وعلى خلفية مرتبطة بعناصر محسوبة على حزب الله، أعاد إلى الواجهة هواجس تتعلق بحدود النفوذ، وبقدرة أي طرف على فرض سلوكياته خارج إطار الدولة.
“قد لا يكون الرابط تنظيمياً أو مباشراً بل بنيوي” يقول مصدر أمني لـ “المركزية” ففي الحادثتين يتبين أن هناك خللا واضحا في إدارة القوة. من جهة هناك أزمة ثقة بين فئة من المواطنين وأجهزة رسمية وأمنية، ومن جهة أخرى، هناك قوى أمر واقع تتصرف بهامش واسع يتجاوز أحياناً الضوابط المؤسساتية. وبين الاثنين، يقف المواطن، محكوماً بشعور متزايد بأن الحماية ليست مضمونة، وأن الكرامة قد تُمسّ بسهولة”.
وتلفت المصادر إلى أن تكرار مثل هذه الحوادث سواء في أحياء بيروت أو في بعض المناطق ذات الغالبية المسيحية، يثير تساؤلات حول الخلفيات، وما إذا كانت مجرّد أحداث ظرفية، أم مؤشرات إلى مناخ قابل للاشتعال. وإذا لم يتم احتواؤها سريعا قد تتحوّل هذه الأحداث إلى عامل توتر أكبر يتجاوز طبيعته الموضعية. وتضيف المصادر أن الأجهزة المعنية تراقب بدقة أي مؤشرات على محاولات استغلال هذه الحوادث لتأجيج الشارع، لأن خلل أمني قد يُستخدم لتقويض الاستقرار الداخلي أو التأثير على مسارات سياسية قائمة”.
وسط ذلك، يبقى الثابت أن لبنان يقف مجدداً أمام معادلة دقيقة: استحقاقات خارجية ضاغطة، وداخل مثقل بالأزمات، وشارع سريع التأثر بأي حادث أمني. وبين هذه العوامل، تتقاطع المخاوف من أن تتحوّل الاحتكاكات المتفرقة إلى رسائل سياسية، سواء كانت مقصودة أو ناتجة عن فوضى غير مضبوطة.
قد لا يكون السؤال اليوم من يقف خلف كل حادثة، بقدر ما هو كيف يمكن منع تراكمها وتحويلها إلى شرارة أوسع. فالتجارب السابقة أظهرت أن الفتنة في لبنان لا تحتاج دائماً إلى قرار مركزي بقدر ما تحتاج إلى لحظة تفلّت. وهذه اللحظة، بحسب مصادر أمنية يجب التنبه اليها ورصد كل ردات الفعل والأهم المحاسبة وتوقيف الفاعلين ومحاسبتهم وفق القوانين المرعية، وهذا ما لم تتداركه بعض الأجهزة الأمنية حتى اللحظة. فصحيح أنه تم استدعاء قائد فصيلة أمن الدولة والعناصر الذين تورطوا في حادثة ساقية الجنزير وصحيح انه تم توقيف العنصرين التابعين لحزب الله اللذين اعتديا على كاهن رعية مار يوسف في الرويسات،لكن النفوس لم تهدأ بعد.
“وتعقيباً تقول المصادر الأمنية أن “هذا التطوّر لا يُقرأ فقط في إطاره القضائي الضيّق، بل في سياق أوسع يتصل بتوازنات دقيقة تحكم المشهد اللبناني، مشيرة إلى إلى أن ” السياسة تتداخل بالأمن وقد يُفسَّر هذا الامر لدى شريحة من اللبنانيين على أنه تساهل أو محاولة لاحتواء الغضب من دون معالجة جذور المشكلة.
وفي قراءة أوسع، يرى المصدر أن هذا النوع من المعالجات السريعة يهدف غالباً إلى منع توسّع الحادثة وتحويلها إلى توتر طائفي، خصوصاً في ظلّ مناخ مشحون وحساس. وبناء على ذلك تشير المصادر إلى أن”القرار قد يكون أمنياً بقدر ما هو سياسي بمعنى أن الأولوية تُعطى أحياناً لمنع التصعيد، حتى لو جاء ذلك على حساب المسار القضائي الكامل. لكن هذه المقاربة، وإن نجحت مرحلياً في تبريد الأجواء، إلا أنها تحمل في طياتها إشكالية تقوم على ترسيخ شعور لدى بعض الفئات بأن العدالة انتقائية أو خاضعة لموازين القوى، وهو شعور، إذا ما تراكم، قد يتحوّل بحد ذاته إلى عنصر توتر إضافي في الشارع.
وتختم المصادر بالإشارة إلى أن لبنان يقف اليوم أمام معادلة دقيقة بين حفظ الاستقرار وتطبيق القانون.” صحيح بأن التهدئة ضرورية، لكنّ لا يجب أن تتحوّل إلى بديل عن العدالة وأي خلل في هذا التوازن قد ينعكس سلباً على الثقة العامة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى ترميم هذه الثقة أكثر من أي وقت مضى”.
سواء ثبتت فرضية الضغوط أم بقيت في إطار التحليل، فإن الرسالة التي التقطها الشارع واضحة وهي أن الاستقرار يُدار أحياناً عبر التسويات السريعة، لكن على حساب وضوح المسار القضائي. وبين ضرورات التهدئة ومتطلبات العدالة، يبقى التحدي في لبنان هو منع تحوّل الأولى إلى بديل دائم عن الثانية.
إخترنا لك







Total views : 7243358