


تُعدّ “زيارة أيقونة أو تمثال
العذراء مريم” تقليداً كنسياً شائعاً في “الشهر المريمي” (شهر أيار/مايو)، حيث تنتقل الأيقونة من منزل لآخر لتجمع العائلات معاً للصلاة، وقراءة التأملات، وطلب الشفاعات .
تُستقبل العذراء بالترانيم والشموع، وتوضع في مكان بارز ومُعدّ مسبقاً (مذبح صغير مزين بالورود). ثم تتلو العائلة صلاة تكريس البيت لمريم العذراء لحماية المنزل.
يُخصص الجزء الأكبر من اللقاء لتأمل أسرار المسبحة، وقد أوصى البابا فرنسيس بتلاوتها في العائلة لطلب البركة والسلام.
*التأملات والطلبات:*
تُقرأ تأملات يومية خلال الشهر المريمي – باقة حُبّ لمريم العذراء، ويرفع الحاضرون نواياهم الخاصة، من اجل شفاء المرضى، والمحتاجين.
والأبرز في هذا التقليد هو كونه يعزز من الترابط الأسري والروحي من خلال الصلاة المشتركة وطلب الشفاعة لحماية البيوت وإبعاد الضيقات.
ويشدد الباحثون اللاهوتيون على تاريخ انطلاقة هذا التقليد إذ يشيرون إلى الحقبة التي
ازدادت فيها اهمية هذا الشهر في المشرق العربي لا سيّما في لبنان وسوريا وفلسطين ؛ نتيجة نشاط المرسلين والمبشرين اللاتين مثل اليسوعيين ؛ الكبوشيبن، الفرنسيسكان الدومينيكان وآلاباء العازاريين.
وقد ساهموا بشكل كبير في نشر هذه العبادة التي باتت تقليداً متجذراً في هذه البلدان.
والجدير ذكره أن إكرام السيدة مريم خلال شهر ايار ليس جديداً على المشرقيين ، إذا تعود جذوره إلى اكثر من الف عام قبل ان تعتمده الكنيسة الغربية..
هذا في المشرق العربي ماذا عن بلدان الانتشار ؛ في استراليا مثلاً حيثُ يتكاثر عدد المسيحيين من طوائف مختلفة الى حدّ باتت تشكل فيه ظاهرة اجتماعية لافتة في جميع الاحتفالات الدينية والأعياد .
في استراليا ينشط الآباء الروحيين في زيارة البيوت مع شخص مريم العذراء لإقامة الصلوات ومباركة الجماعة التي تشارك بالصلاة وتحضير الموائد حسب ما تراه مناسباً سيدات البيوت.
ومن المُلفت في هذا السياق أن بعض القنوات المتلفزة المستقلة – بودكاست –
اثارت مؤخراً في لقاءاتها مع ضيوفها حوارات تمحورت حول التفسيرات الخاطئة التي يطلقها البعض على عبادة مريم العذراء من خلال التجوال مع أيقونتها او تمثالها لزيارة البيوت.
هذه العادة، رغم بساطتها الظاهرة، تحمل أبعاداً روحية وإنسانية واجتماعية كبيرة، لكنها أحياناً تُفهم خطأً على أنّها نوع من “عبادة الأصنام” أو “الوثنية”، بينما جوهرها مختلف تماماً.
في الإيمان المسيحي، لا تُعبد الصور والتماثيل بحدّ ذاتها، بل تُستخدم كوسيلة تذكير وتأمل روحي، تماماً كما يحتفظ الناس بصورة أمٍّ راحلة أو شخصٍ عزيز في المنزل، لا لأنهم يعبدون الورق أو الإطار، بل لأن الصورة تستحضر المحبة والحضور والذكريات.
العذراء مريم في التقليد المسيحي ليست إلهاً، بل أمّاً ورمزاً للطاعة والإيمان والحنان والتواضع. وعندما تدخل صورة العذراء إلى البيت، فهي تدخل كدعوةٍ للصلاة، للمصالحة، للهدوء الداخلي، ولجمع أفراد العائلة حول كلمة الله والمحبة المشتركة.
ومن أجمل ما في هذه الزيارات أنّها:
* تعيد الصلاة إلى قلب العائلة وسط صخب الحياة؛
* تجمع الجيران والأقارب حول لحظة إيمان مشتركة؛
* تخلق مساحة سلام وطمأنينة في البيوت؛
* وتذكّر الناس بأنّ الإيمان ليس فقط داخل الكنائس، بل أيضاً في العلاقات اليومية والرحمة والتضامن.
الكنيسة نفسها تميّز بوضوح بين “العبادة” التي تُقدَّم لله وحده، وبين “الإكرام” أو “التبجيل” الذي يُعطى للقديسين كأشخاص عاشوا الإيمان بقداسة ومحبة. لذلك فالصلاة أمام صورة العذراء لا تعني التوجّه إلى الحجر أو الخشب، بل إلى الله، طالبين شفاعة مريم كأمّ روحية.
وفي زمنٍ امتلأت فيه البيوت بالقلق والانقسامات والوحدة، ربما تصبح هذه العادة فرصةً لإعادة الدفء الروحي إلى العائلة، وإحياء معنى اللقاء والصلاة المشتركة، بعيداً عن أي جدال أو سوء فهم.
ما أجمل أن يتحوّل البيت، ولو لساعةٍ واحدة، إلى مساحة صلاة ونور ومحبة.
شادية الحاج حجار







Total views : 7253631