عبثاً أحاول أن أطرد من ذهني، وأنا أكتب عن النقيب أنطوان السبعلاني، مشهد البيئة الحاضنة للمعهد الذي نَهَلْنا منه العلم، وكان هو سَبَقنا إلى النَهل منه، أعني معهد الفرير، في طرابلس.
ولا أدري ما الذي كان يحملنا على الظنّ، يومئذٍ، بأنّ شيئاً لن يتغيّر بعدنا، سوى الذين سيخلفوننا على المقاعد الخشبيّة، ويلحقوننا إلى الغَرْف من مَعينه.
فهل لأنه كلّما قَذَفنا مَدّ العمر خارج بحر وقتنا على وجه الأرض ركِبنا جَذر التذكّر عائدين، بالفكر، إلى ما قبل؟ أم لأنّ زوال المكان مُضافاً إلى فوات الزمان، هو الذي يُؤجّج فينا كلّ هذا الحنين المُتمازج بالإستغراب، والحسرة ؟!
أقول ذلك لأنّه فاتنا، يومها، أن نَحدُسّ أنّ المكان سَيَتغيّر إلى هذا الحدّ، وأنّ المعهد سيُحكم عليه بالزوال، وأنّ الناس والعائلات الذين كانت تعجّ بهم البيئة الحاضنة تلك، سيُقتلعون، من حوله، بعد هبوب رياح الحرب، ويتناثرون في الأرجاء.
وحدها صورهم هي التي تتشبّث إلى الآن بالذاكرة، تشبُّث الجذور بالتراب.
وفي طليعتها، صورة النقيب السبعلاني، ونَفَرٌ من المعلّمين الطيّبين.
ولذلك، فهو، خلافاً للمكان الذي آل إلى الإمّحاء، لا يُغادرك إذ تُغادر منُصرفاً إلى شؤونك في الحياة. لأنّ التأثير الذي تركه في داخلك وهو يُدرّسك، سيبقى ما بقيت. ويزرع في خيالك صورةً لشاعرٍ وأديبٍ في ثياب مُربٍّ ستذوب في خلاياك، وتُصبح جزءًا من تكوينك.
سنوات عَلَّمني مادّة اللّغة العربيّة. وأحسبُ أنّ واحدةً منها فقط كانت كافية لأعاين هذا البريق الذي كان يجتذب التلامذةإالى ساعته، والذي كان من شأنه إيقاظ إهتمام أكثرهم جنوحاً نحو العلم، باللّغة العربيّة وآدابها، مُقدّماً من خلال تجربته، هو بالذات، كمعلّم للعربيّة وللعلوم الطبيعيّة، في آن، خيرُ مثالٍ على قدرة المرء على الجمع بين الإتّجاهين المُتباعِدَيْن ظاهريًّا، المُلتَقِيَيْن جوهريًّا، في وصف الحياة، بمختلف مظاهرها، وفي التعبير عن إختبارات عيشها. أمّا الذين كان يلاحظ في عيونهم شرارة إهتمام، وهو يمتطي صهوة القوافي، فأولئك كان السبعلاني يُضرم في داخلهم شعلةً لن تُطفئها الأيّام، ووقوداً للإبحار إلى أبعد ما كان يمكن أن يصل بهم الإهتمام.
لم نتأخّر في إكتشاف أنّ هذا المربّي المُدهش الذي كان يُمطرهم بشروح، لتسهيل ما صَعُب، وفَكاً لقضبان البرامج، للإنطلاق دوماً نحو ما هو أوسع، ويحُضُّنا على إعتلاء المِنبر، والإفصاح عمّا في صدورنا ومُغالبة حيرتنا، وتردّدنا، كان أيضاً الصوت المُدوّي في الأوساط النقابيّة، والمِهْماز الذي يَلكُز خاصِرة السلطات، كي لا تنام على حقوق المعلّمين، أو تأكل خبزهم.
ومع أنّ أسباب تقديرنا لشخص السبعلاني، وإكبارنا لحضوره إزداد مع الأيّام، سوى أنّ الأمور لم تتوقّف معه عند هذا الحدّ. فما فرَّقَته المقاعد، عادت وجمعته المنابر، فإستعضنا بحبره عن الطبشور، وإختبرنا قُدرته التي لا تُجارى على موآخاة تلامذته ونحن نمشي دروبنا المُتقاطعة ثقافيًّا، ونرسم معاً سككاً لنشاطات لم تتأخّر في الحصول. وتابعناه، عبر أعمدة الصفحات الثقافيّة للجرائد، كأنّما لنُكمل تَتَلْمُذِنا عليه. فكأنّي به نسيَ أن يكفَّ عن الأستذة، وكأنّي بنا نحن نسينا أن نتوقّف عن التلمذة.
وإذ كان الآخرون يقرأونه، فنحن كنّا نسمعه بعيوننا، لأنّ صوت السبعلاني كان جرس المدرسة، وجِرْس القوافي، هُتافات المُتظاهرين المُطالبين بحقوقهم، عياط التلامذة المُصفّقين للمُتبارين في سوق عَكّاظ، وصفير الريح الهازّة للدوائر والصروح والإدارات.
ففي ذمّة الله، أيّها الراحل العزيز، ولك جزاء المُجاهدين في دار النعيم.
محسن أ. يمّين







Total views : 7243330