نور كيروز
في عصر السرعة الرقمية، لم يعد تدفّق المعلومات حدثًا عابرًا، بل واقعًا يوميًا يفرض نفسه على الأفراد. غير أنّنا لا ”نتلقّى“ هذه المعلومات بقدر ما ”نتعرّض“ لها، وذلك أنّ السيل المتواصل من التنبيهات الفورية التي تقتحم هواتفنا الذكية على مدار الساعة، يضع المتلقي في مواجهة ضغوطٍ غير مرئية تتسلّل تدريجيًا إلى توازنه النفسي.
ورغم الأهمية البالغة لهذا التدفّق الإخباري، الذي يُبقي الإنسان على اتصال دائم بما يجري محليًا وعالميًا، فإنّه يحمل في طيّاته تأثيرات خفية قد تنعكس سلبًا على صفاء الذهن والاستقرار النفسي. وهكذا، يتحوّل الاطلاع من وسيلة للمعرفة إلى مصدر ضغط متراكم، خصوصًا مع التسارع في نقل الأحداث الروتينية والطارئة، ضمن مشهدٍ إعلامي لا يعرف التوقّف.لم تظهر فكرة التنبيهات الفورية والأخبار العاجلة دفعةً واحدة، بل خضعت لمراحل مختلفة عبر التاريخ، بدءًا من العصور القديمة ونقل الأخبار شفهيًا من خلال الرسل، إلى اختراع الطباعة مع يوهان غوتنبرغ في القرن الخامس عشر، ما أفضى إلى انتشار الصحف وتلقّي الأخبار بشكلٍ منتظم.
وفي القرن التاسع عشر، أحدث التلغراف ثورةً في سرعة نقل الأخبار، فيما أسهمت وكالات عالمية مثل «رويترز» في إيصالها بشكلٍ فوري. أما التنبيهات الفورية أو الإشعارات الإخبارية الحديثة (Notifications)، فهي نتاج زيجة الإنترنت بالهواتف الذكية، والتقدم التقني في أنظمة الإشعارات ضمن تطبيقات المؤسسات الإعلامية وشركات التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي.

رنّة تلو الأخرى…
في خضم العاصفة الإلكترونية الهوجاء التي تسيطر على الأجواء الإعلامية العالمية، من الضروري فهم مخاطر التعرض المستمرّ للأخبار العاجلة، لا سيّما في ظلّ الأحداث الأمنية المستجدة التي شهدها لبنان، وذلك حرصًا على تحقيق توازن دقيق بين الاطلاع السليم والاستقرار النفسي.
يفيد مقالٌ علمي نشرته المجلة العلمية الأكاديمية البريطانية، حول التحميل المعلوماتي، أنّ كثرة المعلومات تؤدي إلى إجهادٍ ذهني وصعوبةٍ في اتخاذ القرار. كما تُظهر دراساتٌ أخرى من بينها «دراسة شبكة الوضع الافتراضي للدماغ» التي أُجريت في الولايات المتحدة العام 2001، أنّ الدماغ يحتاج إلى فتراتٍ من الراحة لمعالجة المعلومات داخليًا، ما يؤكد محدودية قدرته على الاستيعاب وتأثره سلبًا بالتدفق المستمر للتنبيهات.
وفي هذا السياق، توضح المعالجة النفسية العيادية الدكتورة نيكول هاني أنّ تأثير هذا النوع من الإشعارات شائعٌ ويطال جميع الأفراد وإن بشكلٍ متباين، إذ يؤدي تكرارها إلى تنمية التوتر والقلق، وصولًا إلى الإرهاق النفسي واضطرابات النوم، وبالتالي إلى الشعور بفقدان السيطرة.

هيمنة خفيّة وتحكُّم
ثمّة اختلاف واضح بين تلقي العقل للأخبار من خلال الإشعارات الفورية وتلقيها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ففي الحالة الأولى، تنهال الإشعارات الإخبارية الفورية على حامل الهاتف وتعيق سير الأعمال الاعتيادية كما تعرقل استمرارية الأنشطة اليومية بشكلٍ طبيعي. ولا يقتصر تأثيرها على الفرد، بل يمتدّ كالعدوى من الهاتف إلى الدماغ، فالمجتمع المحيط، حيث يتداول الجميع الخبر نفسه، وغالبًا ما يكون ذا طابع سلبي أو مقلق. وتلفت الدكتورة هاني إلى أنّ سرعة هذه الإشعارات ومباغتتها المتكررة تشكّلان مصدر ضغط دائم، إذ تُحدث صدمة آنيّة تقطع التركيز وتغذّي الإحساس بالخطر، لتبدو أشبه بإنذارات متلاحقة.
أما عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فالتأثير متشابه من حيث النتيجة، لكنه يختلف في آلية التلقي. فرغم أنّ ولوج هذه المنصات يتم بقرار فردي، إلّا أنّ استخدامها المتكرر يتحول إلى نوعٍ من السيطرة المفروضة، مع تلاشي الطابع الاختياري وتحوله إلى نوع من الإلزام. وهنا يصبح التعرّض للأخبار ضغطًا تراكميًا يعزّز القلق والتوتر، خصوصًا في ظلّ محتوى متشعّب يجمع ما بين الأخبار والآراء والشائعات، إلى جانب الصور والفيديوهات والتعليقات المتضاربة، ما يفاقم الارتباك ويغذّي القلق مع تكرار المعلومات غير المؤكدة.

علاقة سامة
مع تطور الأحداث الأمنية المفاجئة في لبنان، بات كثيرون يترقبون الإشعارات الإخبارية بقلق، منتظرين ما سيحمله كل تنبيه جديد. وهكذا، تحوّل الهاتف الذكي من وسيلة تواصل ومعرفة إلى أداة انتظار قسري. ولا تكمن المشكلة في الجهاز بحد ذاته، بل في نمط استخدامه. إذ تنشأ علاقة سامة بين المستخدم وهاتفه قائمة على الإدمان والتعلّق القلق: تواصل دائم، وسعي مستمر للاطلاع، حتى ولو جاء ذلك على حساب الراحة النفسية والتركيز.

ليس كل ”عاجل“ عاجلاً
يؤكد الصحافي نبيل حرب، صاحب أحد المواقع الإخبارية الإلكترونية في لبنان، أنّ إشعارات الأخبار العاجلة تنقل الدماغ من حالة «المتابعة الواعية» إلى «التلقّي القسري» حيث تصل الأخبار للمستخدم من دون أن يطلبها. وبحسب خبرته، لا يرقى كل خبر جديد إلى صفة «العاجل»، إذ يفترض أن يستند هذا التصنيف إلى معايير محددة، كعنصر المفاجأة، والأهمية على المستويين الوطني أو الدولي، أو التحذيرات الأمنية. غير أنّ الواقع يشهد تهاونًا في استخدام هذا الوصف خصوصًا، إذ تُمنح صفة «العاجل» أحيانًا لأخبار عادية لجذب الانتباه وتعزيز التفاعل. ويوضح حرب أنّ الإكثار من هذا النوع من الإشعارات المضخَّمة والملغومة، يُفقد الخبر قيمته الإخبارية الحقيقية ويتلاشى تأثيره على الجمهور وتندثر بالتالي الثقة تدريجيًا. وفي هذا السياق، يلتقي الإعلام مع علم النفس في التأكيد أنّ التدفق الكثيف للأخبار يعزز الوعي من جهة، لكنّه يرفع منسوب القلق والتوتر من جهة ثانية، خصوصًا لدى المتلقّين غير القادرين على التأثير في مجريات الأحداث. وبذلك، تتحول الوسيلة الإخبارية من أداة للمعرفة إلى مصدر للضغط النفسي.
ويلفت إلى أنّ هناك توجُّهًا إعلاميًا، محقونًا بالمنافسة يميل إلى التهويل وتضخيم الخبر لاصطياد انتباه ثمين. فالجمهور يميل بطبيعته إلى متابعة ما يهدد أمنه واستقراره، لا سيّما فئة الشباب، الأكثر استخدامًا للتكنولوجيا، والأكثر عرضة للإرهاق المعلوماتي، ما يستدعي وعيًا أكبر وقدرة على التمييز بين الصحيح والمضلّل في سعيٍ لتنظيم هذا التدفق المتواصل.

شائعات مضلّلة
وفي ظل هذا التدفق المتسارع للأخبار وطول لائحة العناوين ضمن نشرة الإشعارات المتتالية، يصبح المشهد مضللًا بين الأخبار الصحيحة والكاذبة. ويشير كتاب The Art of Fabricating Fake News and Rumours للمؤلف جمال الحج إدريس، الهادف إلى كشف خفايا آليات التضليل الإعلامي في العصر الرقمي، إلى أنّ «الشائعة هي معلومة أو خبر يتم تداوله بين الناس من دون التأكد من صحته أو من وجود مصدر موثوق يدعمه، وهو غالبًا ما ينتشر بسرعة لأنه يثير الخوف أو الفضول أو الاهتمام. ويشير الكتاب إلى أنّ الشائعة قد تتضمن جزءًا من الحقيقة يجري تضخيمه أو تحويره بطريقة تبدو منطقية للجمهور، ما يجعل البيئة القلقة أرضًا خصبة لانتشارها وإثارة الهلع. وسواء كانت الإشعارات الإخبارية السريعة سلبية أم إيجابية، فإنّ قلة مصداقيتها تقود لاحقًا إلى الخيبة أو التضليل أو الكراهية وغيرها من المشاعر المتضاربة.

بين الحق والباطل
أمام هذا الواقع، وتحت ثقل الأوضاع المتزعزعة، تبرز ضرورة بناء معرفتنا بالأحداث العاجلة أو اليومية على مصادر موثوقة. ويمكن التمييز بين الخبر الصحيح والمضلّل وفق مؤشرات أساسية يذكرها الكتاب:
– صدور الخبر الحقيقي عن جهة معروفة وموثوقة.
– الحذر من الأخبار العاجلة جدًا التي تنتشر بسرعة قبل التأكد من مصداقيتها أو تنبع من تكهُّن فردي.
– الشك في العناوين الصادمة والمبالَغ فيها إذ غالبًا ما تكون كاذبة.
– ترجيح الخبر ذي التفاصيل الواضحة فهو الأكثر صحة من الشائعة العامة أو الغامضة.
– التأكد من تداول الخبر على أكثر من وسيلة موثوقة ما يرجّح صحته.
وعلى هامش ما سبق، تعتمد القنوات التلفزيونية أيضًا أسلوب العناوين الإخبارية العاجلة باللون الأحمر والخط الكبير في أسفل الشاشة، لجذب الانتباه، مع العلم أنها الأكثر مهنية والأقل عرضة للشائعات.
استنتاجًا، إن التلقي العاجل والفوري للأخبار من خلال مختلف الوسائل الإخبارية، يُثقل الفرد بأحداث مضخّمة لا يمكنه التحكم بها، ما يعزز مشاعر القلق والحيرة والخوف. فالتدفق الفوري والمستمر بالمستجدات يُغرق المتلقي بسيلٍ من الأخبار التي ترهق الوعي وتستنزف طاقته النفسية، فتتحول المعرفة التي من المفترض أن تسهم في تقدم المجتمع وتوسِّع آراءه إلى غمرة من الإجهاد.

سلامة العقل بعيدًا عن القلق
رغم صعوبة الحدّ من هذا التدفق، يمكن ضبطه عبر خطوات عملية:
– التحكم بالإشعارات وحصرها بمصادر محدودة وموثوقة.
– تخصيص وقت محدد للاطلاع على الأخبار خلال اليوم.
– التحقق من مصداقية الأخبار وعدم الانجرار وراء المضلّل منها.
– اعتماد أساليب متابعة هادئة، كالمطالعة في أثناء المشي أو الاستماع لموسيقى مريحة.
قديمًا، ارتبط طلب المعرفة بالارتقاء، أما اليوم، فقد باتت المعرفة مهددة بالإفراط والتشتت. وكما يقول الكاتب والأستاذ الجامعي الأميركي Cal Newport: «التركيز هو عملة القرن الحادي والعشرين، وكل إشعار متكرر يسرق جزءًا منه.»
مجلة للجيش_ العدد ٤٧٢

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3559623
Total views : 7253432