بقلم: نبيل حرب _ رئيس التحرير
ليس من السهل على أي مسؤول تربوي أن يتخذ قرارًا استثنائيًا في ظروف استثنائية. فالتعليم ليس مجرد مناهج وامتحانات وشهادات، بل هو مسؤولية وطنية وإنسانية تتصل بمستقبل جيل كامل. ومن هذا المنطلق، أتوجه إلى معالي وزيرة التربية والتعليم العالي بكل احترام وتقدير، آملاً إعادة النظر في إجراء الامتحانات الرسمية لهذه السنة، في ضوء الظروف القاسية التي يعيشها لبنان وأبناؤه.
فالطالب اللبناني لم يعش هذا العام عامًا دراسيًا عاديًا. لقد عاش على وقع الحرب والقلق والخوف والنزوح والانقطاع المتكرر عن الدراسة. عاش مشاهد لا مكان لها في حياة الطلاب، وواجه ضغوطًا نفسية وعائلية ومعيشية تفوق قدرة الكثير من الكبار على احتمالها.
كيف يمكن لتلميذ أمضى أشهرًا وهو يسمع أصوات القصف، أو يعيش هاجس النزوح، أو يقلق على أهله ومستقبله، أن يُطلب منه اليوم أن يجلس إلى طاولة الامتحان وكأن شيئًا لم يكن؟
إن الامتحانات الرسمية ليست هدفًا بحد ذاتها، بل وسيلة لتقييم ما اكتسبه الطالب من معرفة خلال سنة دراسية مستقرة، أما عندما تكون الظروف غير مستقرة إلى هذا الحد، فإن نتائج الامتحانات قد تعكس حجم المعاناة التي عاشها الطالب أكثر مما تعكس مستواه العلمي الحقيقي.
لقد عرف لبنان في مراحل سابقة ظروفًا استثنائية مماثلة، وتم اعتماد الإفادات المدرسية كحل استثنائي فرضته المصلحة الوطنية، يومها لم تتوقف حياة الطلاب، ولم يُحرموا من متابعة دراستهم الجامعية، ولم ينهَر المستوى التعليمي كما توقع البعض… بل استطاع عشرات الآلاف من الطلاب متابعة مسيرتهم العلمية والمهنية بنجاح داخل لبنان وخارجه…
وإذا كانت الدولة قد لجأت إلى هذا الخيار في ظروف صعبة سابقة، فلماذا لا تدرسه اليوم مجددًا في ظل حرب تركت آثارها على معظم المناطق اللبنانية وعلى مختلف مكونات العملية التعليمية؟
إن المطالبة بإلغاء الامتحانات الرسمية لهذه السنة ليست دعوة إلى التهاون أو التقليل من أهمية الشهادة الرسمية، بل هي دعوة إلى مراعاة واقع استثنائي لا يشبه أي عام دراسي عادي… فالعدالة لا تعني معاملة الجميع بالطريقة نفسها عندما تكون ظروفهم مختلفة إلى هذا الحد، بل تعني الأخذ بعين الاعتبار ما مرّوا به من تحديات وأعباء…
لقد دفع طلاب لبنان ثمنًا نفسيًا باهظًا خلال الأشهر الماضية… بعضهم فقد الشعور بالأمان ولو لم يتأثر مباشرة بالحرب، وبعضهم تعطلت دراسته، وبعضهم عاش ظروفًا عائلية واقتصادية قاسية… وهؤلاء يحتاجون اليوم إلى رسالة طمأنة من دولتهم أكثر مما يحتاجون إلى امتحان إضافي يزيد من قلقهم وتوترهم…
نحن نرفع هذا النداء بكل احترام لمعالي وزيرة التربية متفهمين حرصها على مستقبل الطلاب ومستواهم، آملين اتخاذ قرار استثنائي ينسجم مع حجم الاستثناء الذي يعيشه الوطن… فالأوطان لا تُبنى بالأنظمة الجامدة وحدها، بل بالحكمة والرحمة والقدرة على الإنصاف عندما تفرض الظروف خيارات غير تقليدية…
إن إنقاذ العام الدراسي لا يكون فقط بإجراء الامتحانات، بل بحماية الطلاب أنفسهم… وهؤلاء الطلاب الذين واجهوا حربًا لم يختاروها يستحقون من دولتهم أن تنظر إليهم بعين الأبوة والرعاية والإنصاف…
فهل يكون هذا العام عام القرار الشجاع الذي يضع مصلحة الطلاب فوق كل اعتبار؟
الأمل كبير، والثقة كبيرة، بأن وزارة التربية والوزيرة شخصيا ،ستختار ما يحفظ حقوق الطلاب ومستقبلهم وكرامتهم في آن واحد بعيدا عن المزايدات والحرتقات على حساب الطلاب…ونحن بانتظار قرار جريء منكم فليست آخر الدنيا ان حصل التلامذة على افادات، وهناك اكثر من سابقة في هذا المجال…

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3559675
Total views : 7253568