


د. هيام كيروز – كاتبة وباحثة
تُعدّ جزيرة غرينلاند (Greenland) من أكبر جزر العالم مساحة (2,1 مليون كلم2)، وهي تقع بين المحيط المتجمّد الشمالي والمحيط الأطلسي، شرق أرخبيل القطب الشمالي الكندي، ولا يتجاوز عدد سكانها الـ60 ألف نسمة، ينتمون في غالبيتهم، إلى شعب الأنويت الذي هاجر أسلافه من ألاسكا عبر كندا الشمالية. عاصمتها هي نوك (Nuuk) وهي تتمتّع بالحكم الذاتي تحت مظلة السيادة الدنماركية.
وتعود الضجة التي أُثيرت حولها في الأشهر الأخيرة إلى رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ضمّها إلى بلاده على أساس موقعها الاستراتيجي وثرواتها الدفينة ومواردها السياحية.
هذه الرغبة ليست سوى الوجه الآخر للمتغيرات الجيوسياسية في منطقة القطب الشمالي. وتتمثّل في شق ممر بحري يسمح به ذوبان الجليد وطبقاته الكثيفة، ما أسال لعاب الدول الكبرى، وفي صدارتها الولايات المتّحدة، والصين وروسيا لكنوز دفينة في قلب الثلوج الأبدية. إلى ذلك، ثمة من يرى أنّ الهمّ الدفاعي الترامبي يتجاوز الهموم الاقتصادية الأخرى في الجزيرة العملاقة. ومنذ زمن بعيد، وظّفت واشنطن المزايا والمميّزات العسكرية والدفاعية الخاصة بهذا الكنز الجليدي النادر في قلب القطب الشمالي لترهيب روسيا والصين وحتى كندا وأوروبا، خصوصًا أنّ غرينلاند في وسط المسافة الفاصلة بين نيويورك وموسكو. وتحتضن قاعدة بيتوفيك (Pituffik) القاذفات الاستراتيجية ورادارات الشبكة الجو – فضائية لأميركا الشمالية. وكانت الولايات المتّحدة قد أبرمت اتّفاقًا مع الدنمارك في العام 1951 يسمح للحلف الأطلسي باستخدام بعض مناطق الجزيرة في مسائل دفاعية – هجومية. لكن بعد الحرب الباردة، تراجعت أهميّـة غرينلاند التي غرقت من جديد في صمت جليدي إلى أن أثار الرئيس ترامب الجدل حولها. كيف ولماذا؟
خروج الجزيرة من الستاتيكو
خلال عقود من الزمن، كان الشعار الأكثر تردادًا وتردّدًا في منطقة شمالي القطب الشمالي هو الآتي: «الشمال الكبير والعالي بتوترات جد خفيفة وخافتة». إلى أن جاء دونالد ترامب الذي أفصح بشكل واضح بعيد عن أي التباس بأنّه يريد وضع اليد على جزيرة غرينلاند، ما أثار حيرة القادة الأوروبيين وذهولهم، إذ رأوا في هذا التجاوز عدوانًا سافرًا على الدنمارك، الحليف والعضو في حلف شمالي الأطلسي (الناتو) منذ العام 1949. وكان لافتًا أنّ البيت الأبيض وضع حدًّا، وبشكل مجلجل، لعقود من السلام النسبي في شمالي القطب المتجمّد التي يدعوها الأوروبيون «منطقةL’Arctique»، كما التعاون التقليدي بين الدول الشمالية الصغيرة واللاعبين الكبار مثل روسيا، الصين والولايات المتّحدة الأميركية. وإزاء ردّة فعل دول الاتّحاد الأوروبي الــ 27، تراجع ترامب تكتيكيًّا عن إصراره على ضمّ الجزيرة، معلنًا في المقابل عن اتّفاق إطاري بملامح ضبابية يُلقي على كاهل الحلف الأطلسي عبء الدفاع عن جزيرة الصقيع والمعادن النادرة الدفينة. وفي الدورة 62 لمؤتمر ميونيخ للأمن الذي انعقدت فعّالياته بين 13و15 شباط الماضي، أكّدت رئيسة وزراء الدنمارك Mette Frederiksen أنّ الرئيس الأميركي لم يتراجع عن خطّته بضم Greenland إلى إمبراطوريته، وأنّ التصدّي لها من مسؤولية الاتحاد الأوروبي بكل دوله. وهنا يقول مؤلف كتاب «ذوبان الجليد: المعركة من أجل مستقبل القطب الشمالي» الصادر في كوبنهاغن وبروكسل، ويُدعى كلاوس دوديس، إنّ الحلفاء الأوروبيين يُجمعون على أنّ اليد الترامبية سوف تُطلِق شرارة أزمات ونزاعات دراماتيكية بالنسبة إلى الدويلات الصغيرة، وغالبيتها عبارة عن جزر يقطنها عدد قليل من السكان، على غرار غرينلاند، وسفالبارد (Svalbard) التابعة لمملكة النروج، وفيرويه، وإيسلندا، ذات الجاذبيّة السياحية الخاصة. وقد أيقظ نزعة إلى التنافس لديها، معطوفًا على ارتباط بالقوى العظمى، كمظلة أمن وأمان مقابل رهن ثرواتها لها.
وثيقة الأمن القومي الأميركي
واللافت أنّ الرئيس ترامب برّر أطماعه في جزيرة الذهب واليورانيوم باللجوء إلى مفهوم جديد هو «الدفاع عن نصف الكرة الأرضيّة» (Défence hémisphérique). وقد اشتقّه من نظرية «وسترن نصف الكرة الغربي» التي تشمل أميركا بكليتها. ومفادها أنّ السيطرة على كل القارة الأميركية ضرورية لواشنطن. ذلك أنّ الدرع الدفاعية الوقائية – الاستباقية هي بنية هيكلية متكاملة، كما جاء في وثيقة «الاستراتيجية الجديدة لأمن الولايات المتّحدة القومي»، الصادرة عن البنتاغون في 26 كانون الثاني الماضي. ولأول مرة تُقدّم هذه الوثيقة رؤية جديدة لحوض شمالي القطب الشمالي(Arctique)، تنقض وتزعزع الستاتيكو السائد. وترنو من خلال مقاربة دقيقة إلى إحلال المواجهة مكان التعاون، وتستخدم عبارة «اللعبة الكبرى» التي تعود إلى زمن التنافس الحاد بين الإنكليز والروس في آسيا، في القرن التاسع عشر، وتعني في نص البنتاغون «مواجهة بين القوى العظمى حول القطب الشمالي». من هنا، لم يخترع الرئيس ترامب البارود الأبيض، بل تقيّد بتوجيهات وإرشادات الكتاب الأبيض لوزارة الدفاع الأميركية، إذ إنّ «جزيرة غرينلاند بوابة الدخول للدفاع عن نصف الكرة الأرضية»، وفق الخبيرThomas Dans الذي عيّنه ترامب على رأس اللجنة الأميركية للبحث في شؤون القطب الشمالي. ويضيف أيضًا «أنّ المسألة ليست فقط في ذوبان الجليد، إنما أيضًا في الاعتماد على دويلة مجهريّة تقع في الجانب الآخر من الكرة الأرضية لضمان أمن بوابة دخول الولايات المتّحدة الأميركية». والمعروف أنّ توماس دانس مواطن أميركي ويدعو منذ سنوات إلى تقارب بين بلاده وغرينلاند، لافتًا إلى أنّ «الأمر قد يبدو نوعًا من «الشوفينية» (التزمُّت الوطني) الأميركية. وهذا ليس خطأ، لكن لم يعد لدينا عُقَد نقص أو خجل في هذا الإطار، لأنّ الولايات المتّحدة لا تستطيع سوى الاعتماد على قدراتها للحفاظ على أمنها..» هذا الخطاب هو الذي أشعل الخلاف مع دول القطب الشمالي.
احتدام المصالح وخرائط النفوذ
مَن هي الدول التي تملك جزرًا في منطقة القطب الشمالي الذي تتطلّع إليه مطامع الدول الكاسرة؟ هناك، أولًا، كندا. ثم تكرّ سبحة الدنمارك، فنلندا، إيسلندا، النروج والسويد، وهي على نغمة واحدة من الإشكالية المطروحة، وتسعى إلى الحفاظ على الوضع القائم في الشمال الكبير لأنّها تخشى استدراج روسيا والصين بسبب طموحات ترامب الجغرافية. وقد كلّفت هذه الدول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لقيادة حملة ردع دبلوماسية. وتتخوّف عاصمة الاتّحاد الأوروبي، بروكسل، من صدام مصالح صينيّة – أميركيّة فوق هذا المدى الجليدي الأبيض. والروس جزء من «اللعبة الكبرى»، لكنّهم منذ اجتياح أوكرانيا في شباط 2022، تراجعت شهيتهم إلى التزلج فوق صفائح غرينلاند المتجمّدة أو البحث في باطنها عن معادن نادرة. ويلتقط المحاضر المتخصّص في الجيوبوليتيك في لندن Klaus Dodds طرف الخيط ويكشف أنّ احترام المصالح سوف يُخرج جزيرة غرينلاند من قيلولتها التاريخية الطويلة لكي تتحوّل إلى ساحة صراعات دولية. ويُحمّل إدارة الرئيس ترامب وطموحاتها مسؤولية التوتّرات الآتية. ويعود إلى العام 2021، يوم أفصح الرئيس الأميركي عن اهتمامه بالجزيرة القطبية الشمالية معتبرًا إياها «مساحة عقارية وملكية تجارية»، وأضاف: «إنني مولع بالخرائط الجغرافية، ونظرت مليًّا إلى مساحة جزيرة غرينلاند، فوجدتها عملاقة، وقلت في نفسي: يجب أن تكون جزءًا من الولايات المتّحدة، والأمر لا يختلف عن التفاوض في المجال العقاري». ويخشى Klaus Dodds من أنه في حال وضع ترامب يده على الجزيرة القطبية، ستكون التداعيات دراماتيكية على التوازنات القائمة في هذا الإقليم الجليدي. فتُسارع روسيا إلى السيطرة على جزيرة Svalbard المجاورة، وهي عبارة عن أرخبيل تملكه النروج، وتعيش فيه جالية روسية. ويلفت Dodds إلى أنّ الصين قد تحاول استغلال الضعف الراهن لموسكو لكي تتجذّر أكثر في منطقة القطب الشمالي، بعدما أظهرت اهتمامًا بالطريق البحرية الشمالية التي تختصر إلى النصف الوقت التجاري مع أوروبا. ويخلص هذا الخبير البريطاني إلى القول، كما تنقل عنه دوريات أوروبية: «إننا نشهد عودة إلى «اللعبة الكبرى» التي سادت القرن التاسع عشر بين الدول الكبرى، وهي تقوم على تقاسم مناطق النفوذ. والمنطق المؤلم والفظيع هو أنّ القارة الأوروبية تجد نفسها في فخ مطبق وسط مناطق التسويات بين العمالقة الثلاثة».
الصين لاعب أساسي
وفق هذا الإيقاع غير الجليدي، تجد غرينلاند نفسها في قلب مروحة واسعة من الرهانات والمجازفات التي تتجاوزها. ويشعر سكّانها مجهريّو العدد (58 – 60 ألف نسمة في أقصى حدّ) بأنّهم رهائن عاصفة جيو – سياسية عاتية، بعدما فقدوا بوصلة الاتّجاه، وخضعوا لضغوط وجاذبيات لم يألفوها قبل اليوم. وهنا تقول Sara Olsvig، الوزيرة السابقة في الجزيرة والرئيسة الحالية لــ «المجلس القطبي لشعب الإنويت» حول الطموحات الأميركية: «لقد خضعنا للاستعمار ولا نريد أن نختبره من جديد. وهذا التنافس الحاد بين القوى العظمى الذي نشهده الآن، لن يختفي بين ليلة وضحاها. والعالم اليوم أكثر تعدّدية قطبية ممّا كان عليه الوضع في حقبة الحرب الباردة. والسؤال الكبير يتمثّل في معرفة ما إذا كنّا سنحافظ على النظام الدولي القائم. وفي حال اهتزازه، وصولًا إلى انهياره، تعمّ الفوضى، وترتسم منزلقات لم نتعامل معها من قبل». والذين عكفوا على قراءة بيان Olsvig، وهي أميركية الهوى، استخلصوا أنها تعني الصين في الدرجة الأولى، إذ إنها تتّهمها بتدبير مكائد عسكرية، الأمر الذي ردّ عليه الناطق باسم الحزب الشيوعي في شنغهاي قائلًا: «إننا نستثمر في منطقة شمالي القطب الشمالي بطريقة سليمة تمامًا، ولغايات البحث العلمي والتنمية التجارية». وبدا لافتًا أنّ البيت الأبيض والأوروبيين، وحتى سلطات غرينلاند، يحشرون الطرف الصيني في متاهات أزماتهم ومآزقهم. حتى الآن، لم تظهر أي قرينة أو حجّة تسمح بتأكيد مزاعم أو ادّعاءات بعض السياسيين الغربيين الذين يعلنون أنّ «الجزيرة تعجّ بالسفن الحربية الصينية»، ومنهم دونالد ترامب. وقد تسقط هذه المبالغات لكن ذلك لا يُخفي واقع حضور بكين الثابت الذي يتبلور يومًا بعد يوم في مجاهل الجزيرة البيضاء، وهي لاعب مؤثّر في قضاياها واهتماماتها وهمومها. ويرتكز مشروعها على التنقيب العلمي، واستكشاف طرق بحرية جديدة، وزيارة أعماق يُقال إنها غنية بالمعادن الدفينة. وبات في حكم المؤكّد أنّ العاصمة الصينية تبني مقاربتها للمسائل القطبية وفق إيقاع تصاعدي وبراغماتي. وفي العام 2004، أنجزت بناء محطة أبحاث على النهر الأصفر في قلب أرخبيل Svalbard التابع لمملكة النروج، وهي تُطوّر إسهاماتها وآليات عملها باستمرار.
طرق حرير جديدة
هل هناك طريق حرير قطبية؟ تتساءل صحيفة لوسوار البلجيكية، تأسيسًا على «طريق الحرير الجديدة» التي هي مجموعة من الشرايين البحرية والبرية المترابطة بطول 12 ألف كيلومتر، ما يُعطي بكين ميزة الهيمنة التجارية والاقتصادية على مستوى العالم. وهذه المروحة الواسعة من الكوريدورات مبادرة هندسها الرئيس الصيني شي جين بينغ، تحت مسمّى «الحزام والطريق» وتعتمد على إنشاء بنى تحتية بالتعاون مع 68 دولة. وفي الكتاب الأبيض حول سياستها في أصقاع القطب الشمالي الصادر في العام 2018، يقول الرئيس الصيني إنّ بلاده قطبية الموقع، والأبعاد، والاهتمامات. وعلى هذا الأساس، تتوخّى الشراكة لتطوير هذه المناطق، وشقّ طرق لتسهيل التبادلات السلعيّة بين آسيا والقارة العجوز، في نطاق احترام القانون الدولي والأخذ في الاعتبار مصالح الجماعات المحلية. وبحكم الموقع الاستراتيجي الذي تحتلّه جزيرة غرينلاند في المدى القطبي الشمالي، فإنّها في قلب الطموحات الصينية منذ بدايات الألفية الجديدة. ومدّت القيادة الصينية يدها نحو سلطات الجزيرة، عارضة التعاون الاقتصادي والتجاري. وتجاوب وزير التنمية الغرينلاندي طارحًا رغبة بلاده في تعميق أواصر الشراكة، كما هو الحال مع أفرقاء دوليين آخرين، ويقصد بالطبع، الولايات المتّحدة الأميركية والفيديرالية الروسية. وطفا على سطح الوقائع أنّ بكين هي الزبون الأول لصادرات الصيد البحري في الجزيرة، ما يكشف عن تداخل مصالح بين العاصمة الصينية ونوك عاصمة غرينلاند. يبقى بند التنقيب عن الموارد المعدنية الخالصة، وهو الأكثر حساسية وسخونة. فالأميركيون يتصدّون بقوة لهذا المسعى الصيني، وحاولت بكين الالتفاف على هذا «الفيتو» الترامبي من خلال الحوار مع سلطات نوك المحلية. وفي وثيقة رسمية تعود إلى العام 2021، تؤكّد أنّ شركاتها تلتزم احترام البيئة والقوانين مرعية الإجراء، وفق خيارات السكان، والعسكرة بعيدة كل البعد عن هذه السلوكيات السلمية. أمّا عن مفاعيل الاحتباس الحراري التي تذيب طبقات الجليد القطبي، فيؤكّد الصينيون أنهم ملتزمون الحفاظ على البيئة ومحاربة التلوّث. فهل العروض مجرّد لعبة إغراءات للتودّد إلى سلطات الجزيرة البيضاء أم أنها لعبة نَصْب أفخاخ لقطاف مصالح تجارية وسياسية؟ الذين يجيبون عن هذا السؤال يقولون إنّ المعادلة الصينية مزيج من الالتزام المبدئي وذرّ الرماد في العيون، وبكين مقاول صعب، وأولويتها الكوريدورات التجارية.
إغراءات البيزنس الروسي
أين تقف موسكو فوق رقعة الشطرنج القطبية؟ قبل العام 2022، كانت العاصمة الروسية لاعبًا محوريًّا في جزيرة غرينلاند وتملك 7 سفن مخصّصة لكسر الجليد وحفر الممرات التي تسلكها البواخر التجارية. ووسّعت بيكار اهتمامها نحو الجزر المتجمّدة الأخرى، على خلفية اقتصادية وجيو – استراتيجية. ومنذ الشرارة الأولى للحرب الروسية – الأوكرانية في 24 شباط 2022، غابت جزيرة المعادن النفيسة عن شاشة الأولويات البوتينية. وتفرّغ سيد الكرملين لــ «اللعبة الوحيدة في المدينة» وهي كييف ورئيسها فولوديمير زيلنسكي، تاركًا مسألة القطب الشمالي وجزره، وهي استراتيجية بكل معنى الكلمة، لنائبه صاحب الخطاب الناري، ديمتري ميدفيديف، حامل العصا الغليظة في وجه كل أعداء بلاده، وتقييمه لغرينلاند أنها منطقة شديدة الجاذبية على المستوى الاستراتيجي والجيو – سياسي، وذات طاقة اقتصادية واعدة، وفي جعبته حزمة مشاريع، الهدف منها مياهها الشمالية. بالطبع، تعارض العاصمة الروسية بشدّة صفقة ترامب ومآلاتها الهادفة إلى وضع اليد على الجزيرة، وتتّهمه بــ «الدَّوس على المصالح الوطنية للكرملين» وفق رئيس المعهد البحري الروسي نيكولاي باتروشيف بمناسبة تدشين كاسحة الجليد الجديدة ستالينغراد، وتحمل الرقم 7 في التشكيلة التي تنتمي إليها، وهي مخصّصة لمواكبة السفن الروسية في معارج القطب الشمالي. وسخِر هذا المسؤول الذي قاد ذات يوم جهاز المخابرات الروسية الخارجية (SVR) من واشنطن التي لا تملك أي كاسحة جليد تعمل بالوقود النووي. أمّا كندا، فلديها كاسحات على الورق فقط، فيما الأوروبيون يؤثرون الكاسحات التي تعمل بالديزل وهي محدودة الفاعلية. ويرى ديمتري Tortev (مسؤول في مجلس الدوما – مجلس النواب) «إنّ التركيز على الأراضي العذراء المتجمّدة في القطب الشمالي من شأنه تحفيز أمّـتنا على تحديث بناها التحتية في كل الواجهة البحرية الشمالية للفيديرالية الروسية. وهذه الخطة تشمل 10 مرافئ تمتد من Mourmansk، المدينة الأكثر اكتظاظًا الواقعة وراء الدائرة القطبية الشمالية والقريبة من مملكة النروج، إلى جزيرة سخالين الواقعة شمالي اليابان. وهذا القوس الحيوي للتجارة يُسميه الروس «شريان الشمال البحري».
أولويات مختلفة
وإذا كان اللاعبان المحوريان فوق حلبة القطب الشمالي، أي الصين وروسيا، يُصرّان على اقتطاع «قرص» في «عرس» القطب الشمالي لأغراض الترانزيت والتجارة والمبادلات السلعية، فكيف يتحدّاهما ترامب، ويُعلن أنه يريد السيطرة على غرينلاند وضمّها إلى الولايات المتّحدة الأميركية؟ اللافت في هذا السياق أنّ أولويات موسكو وبكين في الجزيرة تجارية، وتتلخّص في الربط بين القارات وتسهيل الاستيراد والتصدير. أما اهتمامات واشنطن، فهي عسكرية – استراتيجية في المقام الأول، تليها اعتبارات الاقتصاد، والسياحة والموارد المعدنية الثمينة. إنها تطلّعات اسبارطية في مقابل سلاسة البيع والشراء، والعرض والطلب، فضلًا عن سلاسل التوريد التي يراهن عليها الصينيون والروس. ويقول باحثون في معهد الأبحاث الاستراتيجية التابع للمدرسة الحربية الفرنسية، ومقرّه باريس، إنّ الأميركيين استفادوا منذ زمن بعيد من المزايا والمميّزات الجغرافية العديدة لجزيرة غرينلاند. هناك أولًا موقعها في منتصف الطريق، بين نيويورك وموسكو، وفيها تقوم قاعدة بيتوفيك (Pituffik)، توليه (Thulé) سابقًا، التي لعبت دورًا حاسمًا في تموضع القاذفات الاستراتيجية الأميركية وشبكة الرادارات الجو – فضائية الخاصة بأميركا الشمالية. والاتفاق المبرم ثانيًا، بينهم وبين مملكة الدنمارك في العام 1951 يسمح لهم بالقيام بكل ما يريدون، على قاعدة الشراكة في المهمات العسكرية. وعلى الرغم من العسكرة التي سادت في السنوات الأخيرة، فإنّ القواعد الروسية والأميركية في منطقة القطب الشمالي تبقى الآن أقل تعقيدًا ممّا كانت عليه زمن الحرب الباردة (1947 – 1991) حتى أنّ البنتاغون تخلّى عن العديد من المنشآت التي ترقى إلى حقبة الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945). والباحثون الفرنسيون أنفسهم يقولون إنّ مسألة موارد الطاقة والمعادن الثمينة مُبالغ فيها، ولا يشاطرون الأنغلوساكسون إسقاطاتهم المسرفة في التفاؤل. وهذه المسألة تتجاهل في غالبية الأحيان مصاعب التنقيب والاستثمار والشحن التي أحبطت العديد من الخطط. والأراضي النادرة كما تُسمّى، موزّعة على مناطق متباعدة ونائية فوق معطف غرينلاند الأبيض، ومعالجة موادها الأولية تستلزم أموالًا ضخمة، فضلًا عن كونها شديدة التلوّث، وتفرز بشكل خاص نفايات إشعاعية النشاط.
الأسباب العميقة لمشروع الاستئثار
منذ الساعات الأولى للولاية الثانية في البيت الأبيض كشف الرئيس ترامب عن رغبة جامحة في تغيير الخرائط والتلاعب بها. وقال في أحد تصريحاته إنّ «النقطة – الذروة لأميركا الشمالية، وتقع في ألاسكا (Alaska)، لن تُسمّى بعد اليوم جبل دينالي (Denali)، كما هو الأمر منذ أجيال، إنما جبل ماكينلي، في إشارة مرجعية إلى الرئيس الأميركي الخامس والعشرين، وليام ماكينلي (1897 – 1901) الذي مات اغتيالًا، بعد أن ضمّ بورتوريكو، وغوام (جزيرة في المحيط الهادي)، وجزر هاواي، والفليبين، وجزر ساموا، من دون أن يأخذ في الاعتبار موقف السكان الأصليين. وترامب على خطى ماكينلي، يبدو أنه لا يقيم أي وزن لمملكة الدنمارك، ذات الهوى والدور الأطلسي، والزبون الوفي للصناعات العسكرية الأميركية. والمثير كما يقول الباحث السياسي الفرنسي Philippe Descamps في لوموند دبلوماتيك (عدد شباط 2026) أن يستعيد ترامب إيديولوجيا اللاهوتي الفرنسي جان كالفان (1509-1564) وهو الإصلاحي البروتستانتي الذي اعتنق مذهبه العديد من الأميركيين والغربيين، وهي «الصيرورة الجليّة» التي برّرت أو سوّغت الاستيلاء على ولاية تكساس، جنوبي الولايات المتّحدة، المتاخمة للمكسيك. وظهرت عبارة «الصيرورة الجليّة» في العام 1845 للدلالة على الصيغة الأميركية المحافظة للأيديولوجية الكالفينية التي بموجبها، يحقّ للأمة الأميركية التمدّد الجغرافي وضمّ أراضٍ إليها من أجل نقلها من طور التخلّف الحضاري إلى زمن الرقّي والتنوير. وفي المنطق الكالفيني، هذا الدور هو بمثابة رسالة ومهمّة مقدّسة وفرض واجب. هذه العقيدة لم يهضمها جزء من الرأي العام الأميركي، وتحفّظ عليها بعض أعضاء الكونغرس بمن فيهم الجمهوريون. ومن أجل تطويع جبهة الرفض واحتوائها، لجأ الرؤساء الجمهوريون منذ بدايات القرن العشرين، إلى ربط هذه الأيديولوجيا بالعديد من الالتزامات القانونية الدولية مثل الاعتراف بالسيادة الدنماركية على غرينلاند في العام 1917 في مقابل شراء «الجزر العذارى» الواقعة في الحوض الكاريبي. باعت الدنمارك هذه الجزر بدوافع مالية، وهزّت هذه الصفقة أسس اتفاقية حلف شمالي الأطلسي (4 نيسان 1949) المرصودة على «توثيق التعاون السلمي والدفاع المشترك بين الموقّعين عليها». كما أنّها أرعبت الدول الأوروبية التي تملك أراضي ما وراء البحار في الجزء الغربي من الكرة الأرضية مثل فرنسا، وبريطانيا، وهولندا، وإيسلندا، والنروج. وفي منتدى دافوس في سويسرا، عادت حليمة إلى عادتها القديمة، إذ شدّد الرئيس الأميركي على «حقّ بلاده» في شراء أو استئجار جزيرة غرينلاند كبديلٍ من الاحتلال «الخشن».
تراجع تكتيكي ومهادنة ملغومة
لم يمر هذا الموقف من دون ردّ من سلطات الجزيرة البيضاء. وانبرت رئيسة «المجلس القطبي» سارا أولسفيغ (Sara Olsvig) في مطالعة لنقض عقيدة الرئيس دونالد ترامب التي لا تمنح سوى سيادة محدودة لجيرانها. وجاء فيها «الزمن تغيّر منذ الحقبة التاريخية التي كانت فيها أراضي الإنويت (إسكيمو – سكان الجزيرة الأصليون) بمثابة سلع تُباع وتُشترى». وأصرّت على السير بتؤدة وثبات نحو الاستقلال. ونشرت الأحزاب الخمسة المتمثّلة في البرلمان الغرينلاندي ردًّا مشتركًا حدّدت فيه موقفها من التطوّرات والمساومات. جاء فيه «أنّ الجهد المبذول من أجل مستقبل غرينلاند يجب أن يتم بالتشاور والتنسيق مع القواعد الشعبية الغرينلاندية استنادًا إلى القانون الدولي والتشريعات الخاصة بالحكم الذاتي. ولا نسمح لأي دولة أخرى بالتدخّل في هذه العملية، ونحن نقرّر بأنفسنا مستقبل جزيرتنا من دون ضغوط تجبرنا على التسرّع في اعتماد الخيار النهائي». وأدلى رئيس الحكومة الغرينلاندية ينس – فرديريك نيلسن بدلوه في المعمعة حاسمًا الخيار والقرار قائلًا: «إذا اضطُررنا للمفاوضة بين الولايات المتّحدة والدنمارك، فإننا من دون شك نختار الدنمارك». وفي 15 كانون الثاني الماضي، التقى وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسين في البيت الأبيض نظيره الأميركي ماركو روبيو (يتحدّر من أصول كوبية)، وانتهى اللقاء إلى «سوء تفاهم جوهري». وفي اليوم ذاته، أوفد الأوروبيون نحو 40 ضابطًا لتهيئة الساحة الجليدية القطبية لانتشار عسكري محتمل. وتخلّت رئيسة الحكومة الدنماركية ميتي فريدريكسن عن خطابها المعتدل، وارتدت البزة المرقطة، محذّرة من أنّ «أي هجوم أميركي على الجزيرة التابعة لنا، ونحن أعضاء في منظمة الحلف الأطلسي، يعني أنّ كل شيء انتهى على مستوى الناتو والقانون الدولي». وأمام هذه الوقفة الدفاعية، تراجع ترامب معلنًا أنه لن يستخدم القوّة، وتخلّى عن تدابيره التجارية الانتقامية، كاشفًا عن خطّة عسكرية فضفاضة يقوم بها مع الأطلسيين لحماية منطقة القطب الشمالي من محاولات الهيمنة الروسية والصينية.
هل انتهت اللعبة؟
لم تنتهِ «اللعبة الكبرى» عند هذا الحدّ، فبعد قيلولة طويلة على هامش النظام السياسي العالمي بدت خلالها كضاحيةٍ نائية تكسوها طبقات الجليد ويغمرها الصقيع القطبي، ما أبعدها عن ديناميات النفوذ، تبرز منطقة شمالي القطب الشمالي كنقطة تقاطع لتجاذبات وتوتّرات راهنة. فهناك، من جهة، الاحترار المناخي الذي يؤثّر في هذا المدى الجغرافي الأبيض اللامتناهي، ومن جهة ثانية، السباق اللاهث بين ثلاثة عمالقة للوصول إلى الموارد والثروات الدفينة واستخراجها واستغلالها. ويرتبط الاستئثار بمناجم الثروة بتوازنات عسكرية واستراتيجية جديدة، فضلًا عن شقّ طرق وممرات ملاحية حديثة كشرايين للتجارة العالمية، وسوى ذلك. لكل هذه الأسباب، تحوّلت هذه المنطقة إلى مفترق استراتيجي حيوي على تقاطع المتغيرات المتلاحقة والرهانات الأمنية المتشعبّة، فضلًا عن المطامع الاقتصادية والتجارية. ولذلك تتخوّف رئيسة وزراء كوبنهاغن من ألّا يتخلّى الرئيس ترامب عن مآلات الخطة التي صاغها البنتاغون لوضع اليد على غرينلاند، والتحكّم بمفاصلها الطبيعية، على الرغم من المهادنة المرحلية. والزمن سوف يلعب دوره في هذا الإطار، مع العلم أنّ مملكة الدنمارك والسلطات الغرينلاندية تمتلكان القليل من وسائط المواجهة أمام لاعب قادرٍ على السيطرة على الجزيرة في وقتٍ قصير.
عن مجلة الجيش _ العدد ٤٧٢ حزيران ٢٠٢٦
المراجع
1- Institut polaire français Paul-Emile Victor (IPEV) – Technopole Brest – Iroise – Rapports d’activité 2025-2026
2- « La coopération Chine-Russie en Arctique : les principaux enjeux et perspectives du développement de la route de la soie polaire – Regards géopolitiques » – 2024 – Auteurs : O. Alexeeva – F. Lasserre – G. Alberola – L. Brodt.
3- « Groenland entre indépendance et récupération géostratégique : Enjeux, défis et opportunités » – Editeur : L’Harmattan. Auteurs : Viviane du Castel et Paulo Brito – 2024 – Paris
4- « Groenland, l’Île continent » – de Raphael Sané, Alian Bidart et Samuel Blanc – date de publication : octobre 2023 – Editeur : Omniscience – Paris
5- « Groenland : Tout ce que vous devez savoir » – DE Noah Gil-Smith, Editeur : Independently Published – Date de parution : novembre 2024
6- « Géopolitique du brise-glace » – de Sandrine Baccaro et Philippe Descamps – le Monde diplomatique – Avril 2020
7- « Au Groenland, l’indépendance à petits pas » – Le Monde diplomatique – Philippe Descamps – Février 2023







Total views : 7253432