






بقلم : نبيل حرب _ رئيس التحرير
شخصيات لبنانية في استراليا
ليس كل من يغادر وطنه يتركه خلفه، فهناك من يحمل الوطن معه أينما حلّ، في دم القلب، وفي صدق الكلمة، وفي تفاصيل الحياة اليومية… والأستاذ أنور حرب واحد من هؤلاء الذين أثبتوا أن المسافات لا تُقاس بالكيلومترات، بل بعمق الانتماء.
حمل الأرزة اللبنانية في قلبه ووجدانه، وبقي وفيًّا لوطنه الأم لبنان، كما كان وفيًّا لوطنه الأب أستراليا، فجمع بين انتماءين من دون أن يتخلى عن أيٍّ منهما… آمن بأن الإنسان يستطيع أن يكون مخلصًا لجذوره، وفي الوقت نفسه مواطنًا صالحًا في وطن احتضنه ومنحه فرصة النجاح.
على مدى أكثر من خمسين عامًا، ظل هذا الإعلامي اللبناني الأصيل يمارس الصحافة كما لو أنها رسالة مقدسة، لا وظيفة ولا مهنة… كتب للوطن، ودافع عن الإنسان، وجعل من قلمه جسرًا يربط لبنان بأستراليا، ومن صحيفة «النهار الأسترالية» منبرًا حرًا للجالية العربية، ونافذة مشرعة على هموم اللبنانيين وآمالهم…
أنور حرب ليس مجرد ناشر ورئيس تحرير، بل هو مدرسة في الإعلام المسؤول… لم تغره المناصب والمعارف ، ولم تبهره الشهرة، ولم تنل السنوات الطويلة من عزيمته. بقي يعمل بصمت، مؤمنًا بأن الكلمة الصادقة لا تحتاج إلى ضجيج، وأن الصحافي الحقيقي هو الذي يخدم الناس قبل أن يبحث عن الأضواء.
ولد في إحدى قرى شمال لبنان ، وتنقل بين بلداته الجميلة، ثم درس في طرابلس، وانتقل إلى بيروت لمتابعة دراسته العليا، وبدأ حياته العملية وهو لم يبلغ العشرين من عمره… وبعد سنوات قليلة، شدّ الرحال إلى أستراليا، حاملًا معه حب الوطن وأحلام المستقبل، لكن لبنان لم يغادره يومًا، بل بقي يسكن وجدانه كما يسكن الإنسان ذاكرته الأولى.
وعندما يتحدث عن بيروت، لا يتحدث بلسان صحافي يراقب الأحداث، بل بلسان عاشقٍ يتألم. يقول: «قلبي ينزف لأنني أحب أن ألملم ذكرياتي الحلوة من مقاهيها، وأتأمل جمالاتها… وأرجو أن تعود بيروت ستّ الدنيا وأم الشرائع.» ويضيف بحرقة: «اليوم أبكي لبنان… أبكي لبنان الحلم والجمال والفن والفكر، وأبكي أيتام الحروب، وأبكي انفجار العاصمة بيروت.»
ورغم كل هذا الألم، لا يعرف اليأس طريقًا إلى قلبه. فهو يؤمن بأن الرجاء أقوى من الأزمات، ويكرر دائمًا: «كوني ابن الرجاء، تعلّمت ألا أيأس، وأتمسك بالأمل، وأتمنى أن تنهض بيروت من بين الركام.»
وفي المقابل، لا يخفي وفاءه العميق لأستراليا، البلد الذي احتضنه ومنحه فرص النجاح والتألق. يقول بفخر: «أنا ابن لبنان وابن أستراليا… هذا الوطن أعطاني كل شيء، ولا يمكن أن أتنكر له.» ويرى أن سر نجاح أستراليا يكمن في قدرتها على احتضان التنوع، حيث يستطيع الإنسان أن يحافظ على جذوره وعاداته، من دون أن يفقد اندماجه في المجتمع.
ولم تكن أستراليا بالنسبة إليه محطة هجرة فقط، بل كانت أيضًا محطة استقرار إنساني وعائلي. هناك التقى شريكة حياته، السيدة أحلام، التي يقول عنها بكلمات تختصر قصة عمر: «أتيت إلى أستراليا سائحًا، وهناك تعرّفت إلى وطن إنساني، وتعرّفت إلى حبٍّ مشى معي منذ ذلك الحين إلى اليوم، حين التقيت شريكة دربي أحلام التي صارت أحلامي.»
أما الصحافة، فهي بالنسبة إليه أكثر من مهنة. إنها رسالة أخلاقية… لذلك يقول عبارته التي تختصر فلسفته كلها: «رحلة البحث عن المتاعب تحولت إلى رحلة البحث عن الحقيقة والبحث عن الوطن.» ويضيف: «الإعلام في داخل الإنسان، وليس في يده، فإما أن تكون إعلاميًا مهنيًا أخلاقيًا بامتياز، وإما أن تترك القلم والمذياع.»
ولم يكن هذا العطاء الكبير من دون تقدير، فقد حاز أرفع الأوسمة البابوية من البابا بنديكتوس، ونال ميدالية أستراليا للملكة اليزابيت، إلى جانب جوائز وتكريمات عديدة في استراليا ولبنان كان آخرها في تنورين، تقديرًا لخدماته الإعلامية والإنسانية، ولدوره في الحوار بين الثقافات، والدفاع عن حقوق الإنسان، وخدمة المجتمع الأسترالي والجالية العربية…
لكن أجمل ما في أنور حرب، في رأيي، ليس الأوسمة ولا المناصب، بل إنسانيته وشهامته… عرفته عام 1996 عندما زرت مقر صحيفة «النهار الأسترالية»، يومها استقبلني بمحبة صادقة، وكأن المعرفة بيننا تعود إلى سنوات طويلة… ومنذ ذلك اللقاء، فتح صفحات صحيفته لمقالاتي من دون أن أطلب منه ذلك يومًا، لأنه يؤمن بأن نجاح زميله لا ينتقص من نجاحه، بل يزيد المهنة احترامًا واحترافية… وهي خصلة نادرة في زمنٍ كثرت فيه المنافسة، وقلّ فيه الكرم المهني والأخلاق…
باب مكتبه في أستراليا مفتوح لكل لبناني، يستقبل الجميع بمحبة، ولا يرد صاحب حاجة خائبًا، لأنه يؤمن بأن الصحافة ليست أوراقًا تُطبع، بل رسالة إنسانية، وأن الإعلامي الحقيقي يبقى قريبًا من الناس مهما علت مكانته.
إن اللبنانيين في أستراليا يفتخرون بأن بينهم قامة إعلامية ووطنية مثل أنور حرب، كما يحق للبنان أن يعتز بابنٍ حمل اسمه إلى أقصى الأرض، وبقي يدافع عنه بالكلمة والموقف، ويقيم أجمل العلاقات مع أبناء وطنه، وينقل أخبارهم، ويحمل همومهم، ويؤكد كل يوم أن الاغتراب لا يعني الغياب، وأن الوطن يسكن القلوب قبل الخرائط.
كم نحن بحاجة إلى أمثال أنور حرب… رجالٍ لا يقيسون نجاحهم بما جمعوه من مكاسب ومال ووجاهة، بل بما زرعوه من محبة، وما تركوه من أثر في حياة الناس… رجالٍ يثبتون أن الصحافة، حين تقترن بالأخلاق، تتحول إلى رسالة وطنية وإنسانية خالدة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يُختتم به الحديث عنه، كلماته التي تشبه حياته كلها: «علمتني الحياة أن أحب الحياة، وأن أكون وفيًا، لأنه من دون الوفاء لا معنى للحياة… وعلمتني أن أكون وطنًا، وأن أكون نفسي بتاريخي وجذوري وإيماني.»
هكذا هو أنور حرب… صحافي كبير، وإنسان أكبر، حمل لبنان في قلبه، وأضاء أستراليا بقلمه، فاستحق أن يكون واحدًا من أنصع الوجوه اللبنانية في بلاد الاغتراب…







Total views : 7253432