بحضور دولة رئيس الحكومة الفرنسية السابق السيٌد فرانسوا فيون، وبدعوة من رئيس اللجنة الأسقفية للحوار المسيحي الاسلامي المنبثقة عن مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان صاحب السيادة المطران مار متياس شارل مراد، عُقد لقاءً اسلاميا مسيحياً مصغراً في صالون كاتدرائية سيدة البشارة للسريان الكاثوليك_ المتحف _ بيروت، وتناول اللقاء الأوضاع اللبنانية والإقليمية، وسبل تعزيز ثقافة الحوار وترسيخ العيش المشترك.

قدم اللقاء الخطابي والحواري الخورأسقف رافائيل طرابلسي أمين سر اللجنة، وقد شارك فيه عدد من المتحدثين الأفاضل: فضيلة الشيخ عامر زين الدين عن طائفة الموحدين الدروز ممثلا بفضيلة الشيخ نظام أبو خزام، فضيلة الشيخ علي فضل الله من الطائفة الشيعية، وفضيلة الشيخ سعد الاسكندراني من الطائفة السنية.
حضر اللقاء كل من صاحب السيادة المطران مار يوليان يعقوب مراد راعي أبرشية حمص للسريان الكاثوليك، سيادة المطران آيلي وردة راعي أبرشية القاهرة للسريان الكاثوليك، الآباتي جوزيف بو رعد الرئيس العام للرهبانية الأنطونية ونائب رئيس اللجنة، والآباء جان بول بو غزالة، دافيد ملكي، ميشال حموي، ، الأستاذ كمال السيوفي رئيس الجمعية الخيرية للسريان الكاثوليك، الأستاذ سيرج قرنبي، الإعلامية الاستاذة ليا عادل معماري عضو في لجنة الحوار ومنسقة العلاقات الكنسية والاعلام في مجلس كنائس الشرق الاوسط، وسواهم من الناشطين في الميدان الحواري الاسلامي_ المسيحي.

افتتح اللقاء سيادة المطران مار متياس شارل مراد رئيس اللجنة، بخطابه البليغ باللغة الفرنسية جاء في مضامينه:” إن حضوركم بيننا، دولة الرئيس، يتجاوز حدود البروتوكول الرسمي، فهو في نظري علامة حيّة على الصداقة التاريخية الراسخة والمتجددة التي تربط فرنسا بلبنان. إن اهتمامكم الدائم ببلدنا، هذا الملتقى الحضاري بين الشرق والغرب، يعكس إدراكًا عميقًا لرسالته ولرسالته التاريخية، رسالة وطن، رغم العواصف والأزمات التي تعصف به، لا يزال مصممًا على أن يبقى جسرًا لا غنى عنه بين الشرق والغرب. فشكرًا لكم على تشريفكم هذا اللقاء، وعلى ما تبذلونه من اهتمام وإصغاء ودعم متواصل من أجل استقرار لبنان وإشعاعه.”.
أضاف:”
إن اجتماعنا اليوم تحت سقف هذه الكاتدرائية، حيث ترتفع الصلوات إلى الإله الواحد، يحمل رسالة قوية إلى العالم بأسره. فهو يؤكد أن اختلاف تقاليدنا الدينية وتنوع مسالكنا الروحية لا يحول دون اجتماعنا حول قيم مشتركة تسمو فوق كل اختلاف، وفي مقدمتها العدالة، والكرامة الإنسانية غير القابلة للمساومة، والسلام الحقيقي الذي لا يولد إلا من المحبة.
إن لبنان ليس مجرد دولة على خريطة العالم، بل هو في جوهره فكرة ورسالة، بل هو “مغامرة روحية” يتوقف بقاؤها وازدهارها على قدرتنا في الحفاظ على هذا العيش المشترك الفريد. ففي عالم تمزقه سياسات الإقصاء، حيث بات الخوف من الآخر – المختلف في الدين أو المعتقد – يتحول تدريجيًا إلى ثقافة مقلقة، تقع على عاتق لبنان مسؤولية تاريخية تتمثل في تقديم نموذج بديل، نموذج يثبت أن التعددية ليست سببًا للصراع، بل مصدر غنى وقوة. وان تنوعنا الديني ليس نقطة ضعف، ولا عبئًا نرزح تحته، بل هو أثمن ما نملك، وهو الملح الذي يمنح هويتنا نكهتها الخاصة. ومن هنا، فإن دعوتنا لا تقتصر على الاكتفاء بتسامح سلبي قد يخفي وراءه اللامبالاة، بل تتطلع إلى بناء “ثقافة اللقاء” التي دُعينا جميعًا إلى تبنيها.”.
وهذه الثقافة لا تعني التخلي عن هويتنا أو تمييع خصوصياتنا، بل تعني أن نكتشف في الآخر عطيةً من الله، وأن ندرك أن حضوره يساعدنا على فهم أعمق لسرّ الله وسرّ الإنسان.

تابع سيادته:” لقد فتح المجمع الفاتيكاني الثاني، من خلال الإعلان في عصرنا (Nostra Aetate)، منذ عقود، صفحة مشرقة في تاريخ العلاقات بين المؤمنين، عندما أعلن أن ما يجمعنا أوسع بكثير مما يفرقنا. ومنذ ذلك الحين، ومن القديس البابا يوحنا بولس الثاني وصولًا إلى قداسة البابا لاون الرابع عشر، لم يتوقف تعليم الكنيسة عن التأكيد على حقيقة أساسية مفادها أن الحوار الحقيقي لا يعني ذوبان الهويات أو التنازل عن المعتقدات، بل هو ممارسة روحية تقوم على التواضع، تعمّق إيمان الإنسان، وتجعله أكثر قدرة على اكتشاف جمال الآخر وتقدير غناه.
ومن هذا المنطلق، تواصل اللجنة الأسقفية للحوار الإسلامي–المسيحي، المنبثقة عن مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، عملها الدؤوب لتحويل هذه الرؤية إلى مبادرات ملموسة. وإذا كان اهتمامنا ينصب بصورة خاصة على الشباب، فلأننا ندرك أن السلام الحقيقي لا يُصنع في المؤتمرات وحدها، بل يُبنى في المدارس والجامعات والبيوت. فالأجيال الصاعدة، الوارثة لهذا التراث الروحي الفريد، مدعوة إلى تحويل التعايش الذي قد يكون أحيانًا هشًا بفعل أثقال الماضي، إلى أخوة واعية، فاعلة، ومفعمة بالفرح. إنهم بناة لبنان الذي يرفض الانغلاق على الذات، وينفتح على آفاق الإنسانية الجامعة.”

ثم تحدث في اللقاء المشايخ الكرام المذكورة اسماؤهم آنفاً.

اختتم اللقاء بكلمة مؤثرة لرئيس الحكومة الفرنسية الأسبق السيّد فرانسوا فيون، أشار فيها الى دور لبنان الرائد في العيش المشترك وصيغته الفريدة التي جعلت منه قبلة الأنظار ونموذجا ورسالة يحتذى بها ولا سيما في بلدان الشرق الأوسط التي عانت ولم تزل من النزاعات الطائفية ومحاولات تسخير الدين لمآرب سياسية ومصالح فئوية.

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3559879
Total views : 7254098