كلمة الدكتورة اودين سلوم في حفل توقيع كتاب قضايا الناس للصحافي نبيل حرب في أنطش جبيل جاء فيها :
حين تلتقي الكلمة بالحقيقة، يولد الوعي؛ وحين يفترقان، تبدأ الفوضى.
وبينهما يبقى القلم الحر حارسًا للضمير، وأمينًا على ذاكرة الأوطان.
نرحب بكم في هذه الأمسية الفكرية المميزة، التي لا نلتئم فيها لمجرد الاحتفاء بإصدار كتابٍ جديد، ولا لنقلب صفحاتٍ حُبِّرت على ورقٍ أو غلافٍ احتضن كلمات، بل لنشهد معاً على انتصار الكلمة الصادقة، وانحيازها إلى الحق، والإنسان، والذاكرة.
إن لقاءنا اليوم هو احتفاءٌ بقيمة الفكر حين يقترن بالمسؤولية، وبالصحافة حين تظل وفيةً لرسالتها، وبالقلم حين يكون ضميراً للمجتمع ولساناً لقضاياه.
في زمنٍ ندُر فيه القلم الحر، وتكاثرت فيه الأخبار المضلِّلة، وتقدَّمت ثقافة التسطيح على حساب الفكر النقدي، حتى غدا الرأي يُقدَّم أحياناً على أنه حقيقة، وارتفع الضجيج فوق صوت الفكر، تزداد قيمة الكلمة المسؤولة، ويعلو مقام أصحاب الأقلام الذين ظلوا أوفياء لشرف الرسالة، مؤمنين بأن الصحافة ليست مجرد مهنةٍ تُمارس، بل رسالةٌ تُؤدَّى، وأن الكلمة الصادقة ليست حروفاً تُكتب، إنما قوةٌ تصنع الوعي، وتصون الذاكرة، وتحمي المجتمع من الانزلاق إلى الفوضى الفكرية والأخلاقية.
في خضم التحول الرقمي المتسارع الذي يكاد يبتلع كل ما هو أصيل، يطل علينا كتاب قضايا الناس ليقول لنا، بثقة الواثق، إن الكلمة الحرة ما زالت قادرة على أن تشق طريقها، وان الحقيقة، مهما حاصرتها الضوضاء، لا تفقد نورها، وان القلم الذي ينحاز إلى الإنسان يبقى أقوى من كل أشكال التضليل.
لعل أجمل ما يوحي به عنوان هذا الكتاب أنه لا يتحدث عن قضايا مجردة أو أفكار معزولة عن واقعها، بل عن الإنسان ، وعن المجتمع ، وعن الوطن. إنه عنوانٌ يختصر فلسفةً كاملة في الكتابة، قوامها أن الصحافة لا تستمد قيمتها من قدرتها على صناعة الخبر، بل من قدرتها على ملامسة هموم الناس، والإضاءة على قضاياهم، وتحويل نبض الشارع إلى وعيٍ عام، وإلى ذاكرةٍ تحفظ للأجيال صورة زمنها.
ما يضفي على هذا الكتاب قيمةً إضافية، ويمنحه بعدًا يتجاوز حدود الإصدار الصحفي، هو توقيت صدوره. فهو يأتي في مرحلةٍ يمر فيها وطننا بتحولاتٍ عميقة، تتشابك فيها الأزمات، وتتزاحم فيها التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حتى غدا الإنسان يبحث عن منارةٍ تهديه وسط هذا الضباب الكثيف، وعن كلمةٍ صادقة تعيد ترتيب الأولويات، وتمنحه القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين المعلومة والدعاية، وبين الرأي والمعرفة.
في مثل هذه الأزمنة، لا تكون الكتب الجادة ترفًا ثقافيًا، ولا مجرد إضافةٍ إلى رفوف المكتبات، وإنما تصبح ضرورةً فكرية، لأنها تحفظ الذاكرة من النسيان، وتحمي الوعي من التشويه، وتمنح الأجيال فرصةً لفهم حاضرها في ضوء تجاربها، بعيدًا عن صخب اللحظة وتقلباتها.
من هنا، فإن “قضايا الناس” هو مشروعٌ فكري وإنساني يوثق مرحلةً كاملة من تاريخ المجتمع، ويرصد تحولات الإنسان والوطن، ويقدم للقارئ شهادةً صادقة على زمنٍ عاشه الكاتب بقلبه وعقله وقلمه. إنه كتابٌ يقرأ الأحداث، لكنه لا يتوقف عند ظاهرها؛ ينفذ إلى أعماقها، ويبحث في أسبابها، ويستشرف ما يمكن أن تؤول إليه، فيجعل من المقالة الصحفية وثيقةً للفكر، لا خبرًا عابرًا ينتهي بانتهاء يومه.
خصّ المؤلف مساحةً وافية للإضاءة على نخبةٍ من المبدعين اللبنانيين، تقديرًا لعطائهم وإيمانًا بأن الإبداع أحد وجوه الهوية الوطنية. ولم يكتفِ بتوثيق تجارب المبدعين المقيمين في لبنان، بل أفرد جزءًا مميزًا للجالية اللبنانية في أستراليا، تقديرًا لدورها الثقافي والاجتماعي، وحرصًا على إبراز إسهامات أبنائها في الحفاظ على حضور لبنان في بلاد الانتشار.
ولعل افتتاح مكتبٍ تابع لموقع الحاضر نيوز في أستراليا، لمواكبة أخبار الجالية اللبنانية ونشاطاتها، يجسد هذا التوجه بأبلغ صورة، ويؤكد أن رسالة الصحافة الحقيقية لا تتوقف عند حدود الوطن، بل تمتد إلى حيث يوجد الإنسان اللبناني، لتظل الكلمة جسرًا يصل المقيم بالمغترب، ويحفظ وحدة الذاكرة والانتماء.
أيها الحضور الكريم،
نكرّم اليوم رحلة إنسان آمن، على امتداد عقودٍ طويلة، بأن الكلمة تستطيع أن تحفظ الذاكرة، وأن تصنع الوعي، وأن تدافع عن الحق، وأن تبقى، مهما تبدلت الأزمنة وتعاقبت الأجيال، لا سيما وان ريع هذا الاحتفال لن يذهب الى شخص، انما الى رسالة، كونه يعود الى موقع الحاضر نيوز ليبقى منبراً يحمل قضاياكم وينقلها بامانة الى أعلى المراجع دفاعاً عن الحق وإيماناً بأن الكلمة الصادقة قادرة على إحداث الفرق.
وإننا إذ نبارك للمؤلف الصحافي نبيل حرب هذا الإنجاز الفكري الجديد، نحيي قلمًا لم يتخلَّ يومًا عن مسؤوليته، ولم يفقد إيمانه بقيمة الكلمة الحرة، ولا برسالة الصحافة النبيلة. مبارك للاستاذ نبيل ولنا جميعاً هذا الاصدار.








Total views : 7259303