


ألقى وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى كلمة بإسم رئيس الجمهورية اللبنانية في المؤتمر المنعقد في العاصمة الصربية بلغراد لمناسبة الذكرى الـ٦٥ لتأسيس حركة عدم الانحياز، أمام رؤساء وممثلي الدول المشاركة.
وعلى هامش مشاركته في المؤتمر، عقد اللواء منسى اجتماعاً مع نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية والأمن واللامركزية في جمهورية الكونغو الديمقراطية السيد جاكمان شاباني لوكو، في حضور سفير لبنان لدى صربيا يوسف جبر، كون جمهورية الكونغو الديمقراطية عضو في مجلس الأمن الدولي. وجرى خلال اللقاء عرض الخيارات المطروحة لمرحلة ما بعد انتهاء مهام قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل” أواخر العام الجاري.
وتناول اللواء منسى في كلمته أهمية مبادئ حركة عدم الانحياز في ظل التحديات التي يشهدها العالم، مجددًا تمسّك لبنان بسيادته وقراره الوطني، ومشددًا على ضرورة الضغط الدولي على إسرائيل للوفاء بالتزاماتها، ودعم مؤسسات الدولة اللبنانية والجيش اللبناني، مؤكدًا أهمية الحوار واحترام سيادة الدول وحق الشعوب في العيش بأمان وسلام.
وفي ما يلي نص الكلمة:
أصحاب الفخامة والدولة والمعالي،
سيداتي، سادتي،
يطيب لي، بداية، أن أنقل إليكم تحيات رئيس الجمهورية، العماد جوزاف عون، الذي كلفني تمثيله في هذا المنتدى، كما أتوجه بأحر التهاني، وأصدق عبارات الشكر والتقدير، إلى فخامة الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، على دعوته الكريمة وحسن الاستضافة، وعلى الجهد الذي بذلته جمهورية صربيا لإحياء هذه المناسبة التاريخية، التي تعيد إلى الأذهان لحظة مفصلية في تاريخ العلاقات الدولية.
قبل ستة عقود تقريبًا، وتحديدًا عام 1961، اجتمع في هذه المدينة قادة خمس وعشرين دولة، بدعوة من الرئيس اليوغوسلافي يوسف بروز تيتو، وبمعية رفاق درب من أمثال جواهرلال نهرو، وجمال عبد الناصر، وسوكارنو، ليؤسسوا حركة لم تكن مجرد اجتماع بروتوكولي، بل تعبيرًا عن إرادة دول رفضت الانقسام إلى معسكرين في خضم الحرب الباردة، وأصرت على صون استقلالية قرارها الوطني.
وقد شكلت بلغراد منصة انطلاق لحركة ضمت لاحقًا أكثر من مئة وعشرين دولة، فباتت صوتًا مؤثرًا لدول الجنوب، ومنبرًا للدفاع عن حق الشعوب في السيادة والتنمية والاستقلالية، وكان لبنان من بين الدول المؤسسة الأولى التي آمنت بهذا المسار منذ يومه الأول.
إن المبادئ التي قامت عليها هذه الحركة، أي احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتسوية السلمية للنزاعات، والتعاون على أساس المساواة والمصلحة المشتركة، ليست مبادئ ولّى زمنها، بل هي اليوم أكثر ضرورة من أي وقت مضى، في عالم تتصاعد فيه الاستقطابات، وتتعدد فيه بؤر التوتر والصراع.
ولبنان، العضو المؤسس في هذه الحركة، يجدد اليوم تمسكه الثابت بالانتماء إليها، وبالالتزام بمبادئها، منطلقًا من قناعته الراسخة بأن هذه المبادئ تشكل صمام أمان لسيادته واستقراره.
ويأتي هذا التمسك في مرحلة دقيقة يخوضها، إذ تعمل الدولة اللبنانية اليوم على استعادة قرارها الوطني، وحصر السلاح بيد الشرعية، وطي صفحة الحروب والانقسامات، وبناء دولة قوية بمؤسساتها الشرعية وحدها.
وفي هذا السياق، فإن لبنان يشدد على ضرورة الضغط الدولي على إسرائيل للوفاء بتعهداتها والتزاماتها، بما يتيح للمؤسسات اللبنانية استعادة كامل دورها، وانتشار الجيش اللبناني على الحدود المعترف بها، بما يصون السيادة الوطنية، ويرسخ الاستقرار، ويعزز فرص الأمن والسلام في المنطقة.
وهنا، لا بد أن أطلب منكم الانحياز لضرورته وأهميته…
الانحياز إلى الحق، والحياة، والعدالة.
فلبنان اليوم يعاني مأساة مروعة: نحو 4500 مواطن تحولوا إلى ذكرى أليمة لأهلهم وأحبائهم، فيما يناضل نحو 12500 مواطن لاستعادة حياتهم، بعد أن أصيبوا بفعل الاعتداءات الإسرائيلية الوحشية على مختلف المناطق اللبنانية.
عائلات بأسرها باتت غائبة، وأطفال لم يعرفوا من هذه الحياة سوى سنوات قليلة، تعاملوا خلالها مع الخوف والقلق، قبل أن تخطفهم الصواريخ والقذائف الإسرائيلية.
ولم يشفع للقطاع الصحي نبل مهمته، فاستهدفت الطائرات والمسيرات الإسرائيلية نحو 150 مسعفًا من الصليب الأحمر اللبناني والدفاع المدني، فاستشهدوا وهم في طريقهم إلى إنقاذ المصابين، كما تعرض أكثر من 400 آخرين لجروح مختلفة.
وإمعانًا في استهدافها للمؤسسات الشرعية، أصرت إسرائيل على استهداف الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية الشرعية من قوى الأمن وأمن الدولة والأمن العام، فلاحقتهم الصواريخ الموجهة، فرووا بدمائهم أرض وطنهم، كما لم تعترف بالشرعية الدولية ولا بهيبتها، فكانت قوات «اليونيفيل» العاملة في الجنوب عرضة للاستفزازات والاعتداءات المتكررة.
ولا ننسى أيضًا استراتيجية التهجير الممنهج التي اتبعتها إسرائيل، بعد تدمير أكثر من 60 ألف وحدة سكنية، ونسف وتدمير العديد من البلدات والقرى الجنوبية التي تحولت إلى أطلال، ولم تسلم منها دور العبادة، والمدارس، والجامعات، والأماكن الأثرية.
إن لبنان، الذي يواجه جراحه البالغة، يعول على أهمية الحوار كوسيلة وحيدة لحل النزاعات، وعلى احترام سيادة الدول، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والعيش بسلام وكرامة.
ونحن ندخل اليوم حقبة جديدة، تتطلع فيها شعوبنا إلى مستقبل يليق بتطلعاتها وتوقها إلى اللقاء والتلاقي، وتعزيز نقاط التوافق بدل الخلاف، وترسيخ حوار الحضارات وتفاعلها بدل صراعها.
كل التوفيق للمجتمعين في الوصول إلى الأهداف المنشودة، ولا بد من أن يؤدي العمل المشترك لدولنا وشعوبنا إلى تغيير الصورة الحالية لعالم تسوده الحروب والنزاعات، وتقريب الحضارات، والالتزام بلغة الحوار كمدخل أساسي للسلام الدائم في مختلف أنحاء العالم، خصوصًا وأننا بتنا في عصر التقدم والتكنولوجيا الخلاقة التي تسمح، إذا شئنا، بتأمين مصير أفضل للأجيال المقبلة.








Total views : 7262306