بقلم المحامي كميل حبيب معلوف
ماذا يفعل المحامي عندما تصبح مخالفة قانون السير قادرة على أن تتحوّل، خلال ثوانٍ، إلى مأساة عائلية لا تُصلحها محكمة ولا يعوّضها حكم؟ يختار البعض دراسة النص، ويختار آخرون أن يحاولوا تغيير الواقع. ومنذ عام ١٩٩٦، اختار الدكتور زياد مخايل عقل الطريق الأصعب: أن يجعل من السلامة المرورية قضية قانونية وإنسانية مستمرة.
بعد فقدان صديقه المرحوم طارق عاصي سنة ١٩٩٤ بحادث سير، لم يسمح للألم بأن يبقى ذكرى شخصية، بل حوّله إلى عمل عام وأسّس «اليازا»، لتصبح التوعية والوقاية والمطالبة بتطبيق قانون السير جزءاً ثابتاً من مسيرته. ومنذ ذلك الحين، لم يتعامل مع حوادث الطرق كأرقام عابرة، بل كأرواحٍ تُفقد، وعائلاتٍ تتغيّر حياتها، ومسؤوليةٍ تقع على المجتمع والدولة والفرد معاً.
واللافت في تجربة عقل أنه لم يدخل هذا المجال من باب النشاط الاجتماعي وحده؛ فهو محامٍ بالاستئناف منتسب إلى نقابة المحامين في بيروت، ودكتور في العلوم الصحية من السويد، وله دراسات في القانون الدولي العام والقانون المقارن والقانون الإداري، إلى جانب اختصاصات في السلامة العامة والوقاية من الإصابات، كما حاضر في الدراسات العليا في إدارة السلامة المرورية وفي إدارة المنظمات غير الحكومية في عدد من الجامعات اللبنانية.
ومن هنا جاءت رؤيته أوسع من مجرد المطالبة بعقوبة لمخالفة. فقد عمل في ملفات السلامة العامة والوقاية من الحرائق والحوادث المدرسية والإصابات الرياضية وسلامة المباني، من خلال مبادرات ومؤسسات متعددة، انطلاقاً من فكرة أساسية: أن حماية الإنسان تبدأ قبل وقوع الحادث، لا بعده.
وعلى مدى سنوات، اختار أن يكون حاضراً في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، لا ليضيف صوتاً إلى الضجيج، بل ليضع القانون والعلم والأرقام في متناول الناس. يتحدث عن التجارب الدولية، وعن الوقاية، وعن ضرورة تطبيق القانون، ومن بينها مفهوم «الرؤية الصفرية» الذي ينطلق من مبدأ أن وفاة الإنسان على الطريق ليست قدراً يجب التسليم به.
وهنا تحديداً تتجاوز المسألة شخص الدكتور عقل لتصبح سؤالاً لبنانياً عاماً: هل نريد قانون سير مكتوباً في الجريدة الرسمية، أم قانوناً حاضراً في الشارع؟ وهل تكفي النصوص إذا لم ترافقها توعية ورقابة وتطبيق ومؤسسات قادرة على القيام بدورها؟
فالقانون ليس مجرد مخالفة وغرامة، كما أن الحزم ليس مرادفاً للقسوة. تطبيق قانون السير يعني حماية السائق والمشاة وراكبي الدراجات والأطفال والعائلات والقوى الأمنية نفسها. والوقاية ليست ترفاً، بل مسؤولية قانونية واجتماعية وإنسانية.
قد يختلف الناس في تقييم السياسات والوسائل، لكن يصعب تجاهل مسيرة رجل جعل من السلامة العامة موضوعاً دائماً في عمله، ومن التوعية أداةً للوقاية، ومن القانون وسيلةً لحماية الإنسان.
وربما هنا تكمن قيمة المحاماة في معناها الأوسع: أن لا ينتظر المحامي وقوع المأساة ليدافع عن ضحيتها، بل أن يحاول بالقانون والعلم والتوعية أن يمنع وقوعها أصلاً.
وفي بلدٍ تُختصر فيه أحياناً مآسي الطرق برقمٍ في نشرة أخبار، يبقى السؤال الحقيقي أبعد من الأرقام: كم حياة كان يمكن إنقاذها لو سبق احترام القانون وقوع الحادث؟
وهذه ليست مجرد قضية سير… إنها قضية حياة.








Total views : 7267251