يسود اعتقاد لدى كثيرين أنه بعد مرور أكثر من نصف قرن على هبوط الإنسان على القمر، كان من المفترض أن نكون قد وطأنا سطح المريخ منذ سنوات. فمنذ أن وعد الرئيس الأمريكي جون كينيدي بإرسال إنسان إلى القمر قبل نهاية ستينيات القرن الماضي، تحقق الحلم بالفعل عام 1969 مع مهمة أبولو 11، لكن السؤال الذي لا يزال يتردد حتى اليوم هو: لماذا لم نصل إلى المريخ بعد؟
إذا قارنا مستوى التكنولوجيا الحالية بما كان متاحًا لمهندسي ورواد برنامج أبولو، سنجد أن الفارق هائل. فقد شهد العالم ثورة علمية وتقنية غير مسبوقة في مجالات الحوسبة والذكاء الاصطناعي والمواد والهندسة والاتصالات، وهي تقنيات تتجاوز بأضعاف ما امتلكه العلماء قبل أكثر من خمسة عقود. لذلك يبدو من المنطقي التساؤل: ما الذي يمنع البشرية من تنفيذ رحلة مأهولة إلى الكوكب الأحمر؟
الإجابة لا تكمن في غياب الحلم، ولا في نقص الكفاءات العلمية، بل في اختلاف الدوافع. ففي ستينيات القرن العشرين، كان سباق الفضاء جزءًا من المنافسة السياسية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة. وكان كل إنجاز فضائي يمثل رسالة قوة وتفوق عالمي، ولهذا استثمر الطرفان موارد هائلة لتحقيق إنجازات تاريخية.
بدأ السباق يميل لصالح الاتحاد السوفيتي عندما أصبح يوري جاجارين أول إنسان يدور حول الأرض عام 1961، وهو حدث غيّر نظرة العالم إلى استكشاف الفضاء وأثبت أن الإنسان قادر على مغادرة كوكبه والعودة سالمًا. وردّت الولايات المتحدة بعد سنوات قليلة بإنجاز تاريخي آخر، عندما هبط نيل أرمسترونغ على سطح القمر في 20 يوليو 1969، ونطق بجملته الخالدة: “هذه خطوة صغيرة لإنسان، لكنها قفزة عملاقة للبشرية.”
ورغم أن الدافع الأساسي لمهمة أبولو 11 كان سياسيًا، فإن نتائجها تجاوزت حدود السياسة بكثير. فقد حققت حلمًا راود البشر لقرون، وألهمت أجيالًا كاملة من العلماء والمهندسين، وأسهمت في تطوير تقنيات أحدثت ثورة في مجالات الحوسبة والاتصالات والمواد والهندسة والطب. فالعلم منظومة مترابطة؛ وكل تقدم في مجال يقود إلى تطور مجالات أخرى.
أما اليوم، فلم يعد هناك سباق عالمي بنفس الحدة التي كانت موجودة في زمن الحرب الباردة. وأصبحت أولويات الحكومات أكثر تنوعًا، بين الاقتصاد والأمن والصحة والطاقة، في حين أن إرسال البشر إلى المريخ يتطلب استثمارات هائلة وتعاونًا دوليًا وتقنيات ما زالت قيد التطوير. لذلك، فإن تأخر الرحلة لا يعني أن الحلم انتهى، بل يعني أن الطريق إليها أكثر تعقيدًا مما كان عليه الطريق إلى القمر.
وربما عندما تتوافر الإرادة السياسية والدافع الذي يوازي سباق الفضاء في الستينيات، سيصبح هبوط الإنسان على المريخ فصلًا جديدًا في تاريخ الاستكشاف، تمامًا كما كانت أبولو 11 قبل أكثر من نصف قرن.
إقرأ _ iqraa








Total views : 7267251