بقلم نبيل حرب

البنزين إلى أين؟
بعدما تجاوز سعره عتبة الـ33، والمازوت يحلّق هو الآخر، ومعهما ترتفع أسعار سائر المشتقات النفطية، من الغاز إلى غيره، ترتفع معها كل أسعار السلع والخدمات بلا استثناء.

النقل يرتفع، والمواد الغذائية ترتفع، وكلفة الكهرباء ترتفع، وكل شيء يرتفع… إلا قدرة المواطن على الاحتمال.

إلى أين نذهب بهذا المواطن الذي بات يعيش على حافة الفقر والعوز؟
وإلى متى يبقى راتبه يركض خلف الأسعار ولا يلحق بها؟

الضائقة الاقتصادية لم تعد عنواناً في نشرات الأخبار، بل أصبحت واقعاً يومياً يعيشه اللبناني في منزله، وعلى الطريق، وفي المستشفى، وفي دكان الحي، وحتى أمام صفيحة البنزين التي باتت عبئاً يثقل كاهله.

ولم يعد غريباً أن ينفّذ موظفو الإدارات العامة إضراباتهم واحتجاجاتهم، وأن يتحرك العسكريون المتقاعدون، وأن يرفع العمال والموظفون أصواتهم، بعدما أصبح الحد الأدنى للأجور، في واقع الأسعار الحالية، أقرب إلى حد أدنى للحياة لا يكفي حتى لتأمين الحد الأدنى من العيش الكريم.

الناس تتعب…
الناس تجوع…
الناس تمرض…
الناس تستدين…
والناس تبيع ما تستطيع بيعه، فقط لتكمل يومها.

لقد وصلت الأسعار إلى أرقام قياسية قاسية، جعلت اللبناني يتساءل: كيف سنعيش غداً؟

والسؤال الأكبر: لماذا لا تُبحث جذور المشكلة؟

لماذا لا تكون الأولوية لتخفيف الأعباء عن الناس، وفي مقدمتها الضرائب والرسوم التي تُفرض على المحروقات وسائر السلع، بدلاً من تحميل المواطن المزيد من الأعباء؟

في الوقت الذي يبحث فيه المواطن عن لقمة عيشه، وعن ثمن دوائه، وعن أجرة نقله، وعن فاتورة الكهرباء، نرى المسؤولين يتجادلون ويتنازعون على الملفات والمواقع والحصص، وكأن البلد يعيش في زمن آخر، وكأن الناس لا تسمع ولا ترى ولا تتألم.

إلى متى تستمر هذه المسرحية؟

إلى متى يبقى المواطن الحلقة الأضعف، تُمدّ اليد إلى جيبه كلما احتاجت الدولة إلى إيرادات، فيما لا تمتد اليد نفسها لإنقاذه عندما يقع في الفقر والعوز؟

الضرائب والرسوم ترتفع، والأسعار ترتفع، والمحروقات ترتفع، فيما القدرة الشرائية تنخفض، والطبقة الوسطى تتآكل، والفقر يتوسع.

أما المواطن، فقد بلغ به اليأس حداً خطيراً.

ليس لأنه لا يحب وطنه، بل لأنه لم يعد يعرف كيف يعيش فيه.

اللبناني لا يريد المستحيل.
لا يريد قصوراً ولا امتيازات.
يريد راتباً يكفيه، ودواءً يستطيع شراءه، وبنزيناً يستطيع تحمّل كلفته، وطعاماً لا يحسب ثمن كل حبة فيه، ومدرسة يستطيع إرسال أولاده إليها، وكهرباء وماء ونقلاً، وحياة تحفظ له كرامته.

هذه أبسط حقوق الإنسان.

فيا أصحاب القرار…

انظروا إلى الناس قبل أن تنظروا إلى الأرقام.
اسمعوا أنينهم قبل أن تسمعوا ضجيج السياسة.
فالشعب الذي أنهكه الفقر والغلاء والديون لا يحتاج إلى مزيد من الكلام، بل يحتاج إلى حلول.

الخطر أن يفقد الناس قدرتهم على الاحتمال، وثقتهم بالدولة، وأملهم بالغد.

وهذا، في أي وطن، أخطر من كل الأزمات…انه الانتحار بعينه.

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3569107
Total views : 7272387