بقلم نبيل حرب
هل هذا هو الوطن الذي سقط من أجله آلاف الشهداء، فإذا به اليوم ينهش أبناءه.
وطنٌ أفقر شعبه في المصارف، فتبخّر جنى العمر، وضاعت مدخرات الناس التي جمعوها بالعرق والتعب، بعدما ائتمنوا عليها من ظنّوه ملاذاً آمناً.
وطنٌ أفقر شعبه بالرواتب والتعويضات، حتى بات الموظف والمتقاعد عاجزين عن تأمين أبسط مقومات الحياة، بعدما فقدت الرواتب والتعويضات قيمتها، وأصبحت لا تكاد تجدي نفعاً.
وطنٌ دفع بشبابه إلى اليأس. يتخرجون كل عام من الجامعات، ويدفع أهلهم عشرات آلاف الدولارات على تعليمهم، ثم يبحثون عن فرصة عمل فلا يجدون… وإن وجدوها، فبأجر لا يليق بشهادة ولا بسنوات دراسة وتعب.
وطنٌ ينهش شعبه بالأقساط، وكلفة الاستشفاء، وغياب الخدمات، وارتفاع الكهرباء والمياه والهاتف والضرائب والرسوم، وبنزينٍ ومازوتٍ وسائر المشتقات النفطية، فيما لا يسأل أحد: كيف يستطيع المواطن أن يعيش؟
كل شيء يرتفع… إلا قدرة الناس على الصمود.
وطنٌ لا يجد فيه المتقاعد في جيبه ليرةً ينفقها، بعدما تآكلت تعويضاته، وضاعت مدخراته، واختفت قروش عمره البيضاء التي جمعها بعرق جبينه طوال عشرات السنين.
وطنٌ دفع فيه أجدادنا الدم، وجبلوا ترابه بالعرق والدموع، فإذا به يتنكر لأبنائهم، ويتركهم يواجهون الفقر والمرض والعجز وحدهم.
أي حياة هذه التي يُطلب من الإنسان أن يعيشها؟
حتى في مزارع الدجاج، يؤمّنون العلف والدواء والرعاية كي يبقى الدجاج على قيد الحياة… أما هنا، فيُترك المواطن للكآبة والوحدة والفقر والمرض والجوع، وكأن الإنسان أصبح آخر ما يستحق الاهتمام في هذا الوطن.
كيف يستطيع مسؤول أن ينام وشعبه جائع، مريض، منهك، متعب، يائس، بردان وعريان؟
كيف يغمض لمسؤول جفن، فيما الناس تبيع أرزاقها وأملاكها وبيوت آبائها وأجدادها، وتبيع مجوهرات نسائها واثاث منازلها، فقط لتتمكن من الاستمرار؟
وكيف يستطيع مسؤول أن ينام، وهو يرى أموال الناس ومدخرات أعمارهم محتجزة في المصارف، من دون أن يُقرّ قانوناً يعيد الحقوق إلى أصحابها، ويمنحهم فرصة أخيرة ليعيشوا ما تبقى من أعمارهم بكرامة؟
لقد أنهكوا الوطن.

تآمروا عليه بمصالحهم، وتنازعوا على النفوذ والمواقع والحصص، فيما كان المواطن يدفع الثمن من لقمة عيشه، ومن صحته، ومن تعليم أولاده، ومن جنى عمره.
هذا الوطن لم يعد يحتمل. وهذا الشعب لم يعد يحتمل.
فإلى متى يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف؟
وإلى متى يبقى الوطن يُنهب، والشعب يُنهك، والمسؤولون يتفرجون؟
وقد حان الوقت لنسألهم :حين يموت الإنسان من الفقر والقهر واليأس ويهاجر شبابه، ماذا يبقى من الوطن؟

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3569107
Total views : 7272387