بقلم : نبيل حرب
اخيرا اتّفقوا!
نعم، اتّفقوا، ولم يعد هناك خلاف بعد اليوم!
انتهت الخلافات، وتوحّدت الرؤى، وصار المسؤولون على قلب واحد.
ويبدو أنّ لبنان دخل أخيرًا زمن المعجزات، وأنّ أبواب الفرج فُتحت على مصراعيها!
فالبنزين سينخفض سعره سريعًا، ولن يعود اللبناني مضطرًا إلى بيع ما تبقّى من عمره ليملأ خزان سيارته.
والكهرباء؟ ستكون أربعًا وعشرين ساعة على أربع وعشرين، وسنطوي صفحة العتمة إلى غير رجعة، وربما ننسى شكل المولّدات وأصحاب الفواتير الذين صاروا شركاء في إدارة حياتنا!
أمّا المياه، فستعود إلى منازلنا بعد انقطاع طويل، وبأسعار رمزية، بعدما اعتدنا سماع أخبار انقطاعها!
كلفة الاستشفاء ستتراجع، ولن يعود المريض بحاجة إلى بيع بيته أو الاستدانة من أقاربه كي يحصل على سرير في مستشفى. فصحّة الإنسان ستصبح أهمّ من فاتورة العلاج
قوانين الإيجارات التي أكل عليها الدهر وشرب، ستُعدّل أخيرًا، وسيخرج المالك والمستأجر راضيَين، يتبادلان التهاني بدل الإنذارات والدعاوى. لا مالك يشعر بالظلم، ولا مستأجر يخشى أن يصبح بلا مأوى.
لا أزمات سير، ولا أزمة استشفاء، ولا أزمة كهرباء، ولا أزمة مصارف! فالمصارف نفسها قرّرت أن تردّ الودائع كاملة إلى أصحابها، وكأنّ شيئًا لم يكن، وكأنّ جنى العمر لم يُحتجز يومًا خلف أبوابها!
أمّا شبابنا، فلن يهاجروا بعد اليوم. سيبقون في وطنهم، يعملون ويبدعون، وسوق العمل سيتّسع لكلّ الطاقات، وستصبح الشهادة الجامعية مفتاحًا لوظيفة، لا وثيقة سفر إلى بلاد الغربة. وسيعود الأهل إلى النوم مطمئنّين، بعدما أمضوا سنوات يخشون أن يكون مستقبل أولادهم خارج لبنان.
بيروت ستعود أمّ الشرائع، وعاصمة الإشعاع الفكري والحضاري في الشرق الأوسط، لا عاصمة الطوابير والأزمات والانهيارات. وسيعود ترامواي بيروت، ويعود القطار إلى سكّته في كلّ لبنان، صعودًا حتى البقاع، فنستقلّه من دون أن نحتاج إلى أعصاب فولاذية لمواجهة زحمة السير!
صار بإمكاننا أن نحلم بمستقبل أجمل، وأن نحقّق كلّ ما نطمح إليه.
الجامعات الخاصّة ستخفض أقساطها رحمةً بالناس، والمدارس الخاصّة ستحذو حذوها، فيصبح التعليم متاحًا للجميع، لا امتيازًا لمن يستطيع الدفع، ولا عبئًا يرهق الأهل ويهدّد مستقبل أبنائهم.
المغتربون سيعودون إلى لبنان، وسيغصّ المطار بأفواج العائدين، لا بأفواج المغادرين. وستتحوّل صالات الوصول إلى مشهد فرح، بعدما اعتدنا أن تكون صالات الوداع مسرحًا للدموع والوداع الأخير.
باختصار، كلّ شيء سيتغيّر، وكلّ شيء سيصبح أفضل، وسنعيش في وطن يشبه أحلامنا، لا في وطن يعلّمنا كلّ يوم كيف نتعايش مع خيباتنا!
أنا، لا أحلم!
فقد اتّفق الشباب، نعم، اتّفقوا في جلسة واحدة، ومن دون عناء، ومن دون اجتماعات طويلة، ولا لجان فرعية، ولا خلافات على الحصص، ولا تبادل للاتهامات، ولا حاجة إلى وساطات محلية أو دولية!
تصوّروا!
لقد اتّفقوا على تأخير الساعة ساعة واحدة، ليل 24 ـ 25 تشرين الأول!
نعم، هذه هي المعجزة التي وحّدتهم، وهذه هي القضية التي استدعت التوافق، بعدما عجزوا عن التوافق على الكهرباء والمياه والودائع والرواتب والاستشفاء ومستقبل الشباب!
ساعة واحدة فقط، اجتمعوا عليها واتّفقوا، فيما البلد ينتظر منذ سنوات اتفاقًا يعيد إليه أنفاسه!
فيا أيّها اللبنانيون، افرحوا، واضبطوا ساعاتكم، واستعدّوا لاستقبال التوقيت الشتوي، وربّما يأتي يوم نتّفق فيه على توقيت الخروج من الأزمات أيضًا!
ولكن، قبل أن نغرق في الضحك، انتبهوا!
فقد يأتي من يقترح فرض ضريبة على الضحك، ورسمًا على الابتسام، وطابعًا ماليًا على كلّ نكتة، ورسمًا بلديًا على القهقهة، وضريبة استثنائية على كلّ مواطن تسوّل له نفسه أن يفرح من دون إذن مسبق!
وعندها، لن يبقى أمامنا سوى أن نؤخّر ضحكتنا ساعة أخرى، على أمل أن يتّفقوا يومًا على إلغاء الضرائب عن أحزاننا!

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3569107
Total views : 7272387