#مازن_عبّود
عمو حنّا يقول وليم شكسبير في “روميو وجوليت”: “عندما يموت، خذه وقطّعه إلى نجوم صغيرة، ازرعه. وستجعل وجه السماء جميلًا جدًا.”
وها انت ترقد اليوم، ونقطّعك اربا، وحكايا نضيئ فيها وجه سماء دوما، فتمسي جميلة ومشعة.
من قال يا أستاذ بانّ الحياة نقيض الموت؟
لا ليست كذلك فالموت جزء منها. اما الراحة فاستحقاق خاصة إذا كانت الحياة حيوات. وتكفي كي ترفد كل احياء البندر، فلا تنتسى.
عمو حنّا ينساني الموت، ان نسيتك.
علمتني الحياة بالألم والخلاف والاتفاق وبكل الأحوال.
عمّو حنّا فلتنساني فغري ان نسيتك. ولينساني الزيتون والغبيط والسوق والشوارع والميلاد والقصص، ان غبت عن بالي.
سلام عليك يا معلما، سلام عليك يا نغم عود على شرفة تجاور النجوم، وقهقهات وضحكات وقصصا واحلاما ودروسا.
سلام لك يا دوما التي نحب، ودوما التي نحلم بها.
كان الكبير الذي ما انفكّ يكون طفلا.
كان بشخصه ملتقى الاعمار . أترى كيف جمعت الطفولة الى الكبر، والحلم الى الواقع، ودوما الى كل العالم؟
كيف سطّرت قصصك واطلقت عطرك وبقيت تجري بين حارات الازقة ودروبها. تتسلق جبالها وتتلو قصصها؟
عمّو حنا يا جسرا، يا حبا ، ويا حلما، هكذا عرفتك. أذكر يوم التقيتك لاول مرة ومشينا معا الطريق الى الاوتيل.
مشينا وقد كان مؤتمر ريو دي جينيرو البيئي الأول في 1992 على الأبواب، وانا كنت على أبواب الجامعة الامريكية.
ابهرني رجل من بلدتي يشبه تشرشل بسيغار واناقة وكياسة وقبعة ومعطف. كان يتكلم كالحلم المتجسد واقعا. كان يتكلم في دوما والأرض، الماضي والمستقبل. كان يتكلم عن العالم. وبين الفينة والفينة يطلق دخان سيغاره المنطلق من فمه الى عباب السماء كي يصنع غيمات، وافكارا.
عرفته قاسيا كجبل ومحبا كدمعة.
عرفته الحياة ومعه تعرفت على البلاك بيري.
“حنونا” ابن ابيه وأمه يطفئ مصباح امه هيلانة، ويستلقي ويمضي الى احبته.
يعدو في الوهاد والجبال طفلا حالما وحافيا كما زمانا. ينطلق الى دومته التي سكنته. يعود اليها طفلا في نوّار. يغفو بين زيتونها كي يأكل من تفاحها ويحتسي من خمرة دواليها اطيب خمورها. يعود الى حيث ينتمي بعد ان تمرس في لغة الصمت.
يعود اليها متواريا بعد ان ادمن التواري. فالحياة مواسم ، موسم للتجلي وموسم للتواري وموسم آخر للسبوت والراحة في عز زمن التجدد والقيامة.
لن تزول عمو حنّا وانت منّا. انت من صخور دوما ووعرها وتنهدات بشرها الكبار والصغار لكن الطيبين.
كيف تزول وانت النادي وقصص العشق والمغامرات على متن سفينة اقلتك لاكتشاف العالم واحضرتك الى الكويت؟
تنطلق اليوم في مغامرة جديدة كما مضيت بعيد تخرجك، لكن لا لكي تكتشف هذا العالم بل ما ابعد منه!
حنّا الكنيسة والفندق والبلدية والنادي والجمعية والناس والسوق والبلدية والكويت والحمراء والمعارف واخبار الطيبين.
والاهمّ كان حنّا القلوب الذي اتخذ صفة اهمّ شخصية عرفها البندر في الخمسين سنة التي مضت. سطرها بقوة على مصفح الزمان.
من انت يا أبا ويا سلة الخير، ومن اين اتيت والى اين تمضي؟
كيف كبرت ومتى كبرت وكيف بلغت مقدار ملئ الزمن؟
من انت يا سلة العنب والتين، يا نكهات الناس واحلامهم ووجعهم وضحكاتهم، من انت يا ارثا يكتسب ولا يورّث؟
من انت يا أبا لم يرزق اولادا، وكيف بنيت بيتك الذي كان بمنازل وبشر ولقيا وضحكات؟
من انت يا عامود السماء وكل شيء جميل وحالم فينا؟
ظننتك تعود اليه في الميلاد الذي سكنك الا أنك عدّت في نوّار.
عمّو حنّا قلت لي يوما: “يموت القائد اذ لم ينتج قادة تكمل المسيرة”. كان تحديك ان تجعل مني كما ابلغتني، ومن الكثيرين ممن احببتهم قادة على شاكلة ومثال من كان يقطن في قلبك.
وتحديّ ان اصير ما تمنيت واوصيتني ان أكون عليه.
اسمح لي ان ابلغك وانت ماض اليوم، بانك كنت قاسيا على نفسك، كما علينا أحيانا. لكنك كنت محبا ايضا!
اعاهدك ان لا تزول النماذج عن ووجه الأرض. فيزول ذكرك وارثك. فيمسي البشر يعيشون ولا يحييون.
نعم، لا يجب ان تنمحي النماذج عن وجه الأرض فتزول الطيبة والقيادة والرؤية والصلابة والحلم والواقعية والعمل والحب.
لا يجب ان تنمحي كل تلك المبادئ في الرجال والنساء فيتسخفون.
ستبقى ونبقى وايلينا وحنا وكل الأولاد في بيتك نختلس الاستماع الى كلماتك ونخشى نظراتك.
سأبقى أعرج عليك للغداء كما في كل اربعاء، فنأكل من خيرك وخير التانت ناهيل التي واكبتك بصمت، ونتبادل الاحلام.
سنبقى أوفياء وسأسعى ان اواكب زينالي.
سأبقى أعرج قبالة منزل دوما، قبالة ذلك البيت اسرق النظرات، ألقي التحية. الملم أطياف الماضي وضحكات الكبار وصوت العود وطلة الأحباء وحلاوة اللقيا.
لن تموت وفي جعبتي الكثير من قصصك وومضاتك اتلوها على الأحبة كلما اشتعل قنديل الحنين.
وسنبقى وستبقى وتبقى عائلتك وكل اخبار آل أيوب وشلهوب ودوما ها هنا وفي المغترب.
وسيبقى في البيوت من يتلو قصص البيوت وعماراتها كما اوصيتنا.
المسيح قام!

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,045,239