اين الطوابع؟


بقلم نبيل حرب

كأننا نعيش في كوكب موازٍ، لا زمن فيه، ولا منطق، ولا أبسط المقوّمات .
صديقي، المواطن الذي لا تشوبه شائبة، ركن سيارته قرب الرصيف في البترون، كما يفعل ملايين الناس كل يوم. لم ينتبه الى لافتة تمنع، ولا حظر ظاهر، ونزل إلى أحد المقاهي لتناول العشاء، وفي ظنّه أنه يمارس حياة طبيعية في حياة مفترضة.

لكنه، كأي لبناني محترم، عاد ليجد ورقة صفراء صغيرة ترفرف تحت المسّاحة. إنها ليست إعلانًا ولا رسالة حبً من مجهول، بل “محضر ضبط”.
ضحك وقال: بسيطة. نذهب ونسدد.وكان مسرورا بعودة هيبة الدولة ولو عبر محضر ضبط.
لكن “البسيطة” لم تكن بسيطة على الإطلاق.

من البترون إلى جونية إلى بيروت… ثم زحلة، امتدت رحلته لكن بلا جدوى.وكل خوفه ان تمضي المدة المحددة دون ان يجد الطابع فيتحول الى محكمة،وهو لا يحب ان يكون من روادها وهو من عاش طول عمره تحت القانون.
بلد لا طوابع فيه؟! كأنك تقول: صيدلية بلا دواء، فرن بلا خبز، مطار بلا طائرة.

فتّش، وفتّش، وفتّش، ولم يجده ،وفي النهاية، وبعد اثني عشر يومًا من الجهاد والقلق والاسئلة، وجد الطابع… في طرابلس، وبثمن مضاعف!فدفعه وشكر ربه انه نجا من المحكمة بسلام.

وهنا نسأل، لا بل نصرخ:كيف
لحكومة إصلاح وإنقاذ، أن تعجز عن طباعة أوراق لا يتعدى ثمن إنتاجها بضعة سنتات، وتبيعها بمئات الأضعاف في السوق الطبيعية وتلبي حاجات الناس؟

هل هناك جهة ما تمنع؟ مافيا تتحكّم؟ هل هناك قرار سري بأن يُترك المواطن يتسوّل الطوابع كما يتسوّل الخبز، والبنزين، والكهرباء، والدواء، وكل ما يشبه الحياة؟

أيُعقَل أننا في القرن الواحد والعشرين، وفي بلدٍ يُقال إنه “مطبعة الشرق الأوسط”، ولا نجد طابعًا نُلصقه على ورقة رسمية؟
ما هذه المهزلة؟ وما هذا الضحك على الذقون؟

ألسنا في زمن التحوّل الرقمي؟!
لماذا لا نقوم بالدفع عبر الـ OMT أو الـ Wish أو حتى “حوالة بالبريد”؟
لماذا لا يُستبدَل الطابع بوصل رقمي؟! أو حتى ببصمة إلكترونية؟!

وهنا كلمة للعقلاء اصحاب القرار :
كونوا أذكياء ،اطبعوا الطوابع بعشرات الآلاف… واجنوا منها المليارات! الا تريدون المال،كل المعاملات الرسمية تنتظر الطوابع فماذا تنتظرون؟
الطابع مال.
الطابع ذهب.
الطابع عملة رسمية تدخل خزينة الدولة، بدل أن تذهب إلى جيوب المافيات والسوق السوداء.
أنتم تقولون إن الخزينة فارغة…
أليس الطابع موردًا ماليًا كغيره؟
فلماذا تحرمون أنفسكم وتفتحون السوق للمتاجرين والمستغلين؟

نحن لا نطالب الدولة أن ترسل بعثة فضائية إلى زحل.
ولا أن تبني ناطحة سحاب في سهل البقاع.
ولا أن تكتشف علاجًا للسرطان.
كل ما نريده… طابع!
لكن يبدو أن الطابع في لبنان، أصبح مثل الكرامة:
موجودٌ في الكتب، ونادر في الحياة.

نحن نعيش في بلد تفتح فيه الحكومة فمها على “الإصلاح”، وتُغمض عينيها عن أبسط معاناة الناس.
بلدٌ تحكمه أعجوبة الطابع، وتُحرّكه مزادات السوق السوداء، ويسخرون من الشعب، بلا حرج، ولا خجل، ولا اعتذار.

فيا حضرات المسؤولين نحن
لا نريد ثورة.
لا نريد انقلابًا.
لا نريد شتائم.
نريد فقط… طابع.

طابع!
أليس هذا من بديهيات الوجود في دولة محترمة؟

فهل هذا بكثير؟

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,044,813