ما سبب تزايد حالات الانتحار؟

د. حنان مطر : الاكتئاب واضطرابات القلق من مسبباته الاساسية

الاوضاع الاقتصادية والمعيشية… عوامل محفزة ايضا

اكثر الفئات عرضة من عمر 15الى29سنة

نبيل حرب

ما سبب تزايد حالات الانتحار في لبنان؟
لماذا معظم الضحايا من الشباب وهل يطال الانتحار فئات عمرية دون أخرى؟
كيف يمكن أن نعرف مسبقا أن الشخص ينوي الانتحار ،هل من تصرفات او احاديث معينة؟وكيف يمكن التعاون معه وثنيه في هذه الحالة؟
هل للأوضاع السياسية والاقتصادية والمعيشية الضاغطة أي علاقة في تزايد حالات الانتحار؟ كيف يمكن ان نصل إلى مجتمع سليم معافى، يتطلع شبابه إلى الحياة بشغف وأمل؟
واخيرا ما هو المطلوب من المجتمع والدولة والمدارس والجامعات للحد من حالات الانتحار وتلافيها…
هذه الأسئلة وغيرها طرحناها على الدكتورة حنان مطر استاذة جامعية ومعالجة نفسية وكانت هذه الإجابات…

. ما هي العوامل الأساسية التي تؤدي إلى ارتفاع معدلات الانتحار في لبنان اليوم؟
*ترتفع معدلات الانتحار في لبنان نتيجة عوامل متعددة، منها الاقتصادية والنفسية والاجتماعية. يعيش المواطن اللبناني حالة من الإحباط نتيجة انهيار العملة، والفقر، وغياب الأمان الوظيفي. كذلك، تتفاقم الأزمات العائلية، والعنف الأسري، وانعدام الاستقرار. كما يبرز تأثير الشعور بالعجز لدى الشباب، والانعزال الاجتماعي، وصعوبة الوصول إلى خدمات الصحة النفسية. تشير بعض الدراسات إلى أن الاكتئاب واضطرابات القلق هي عوامل رئيسية للانتحار. ولا ننسى هنا أن اللبنانيين يعانون من غياب الثقة بالدولة، ما يعمّق فقدان الأمل. كل هذه العوامل تتكامل لتُشكّل بيئة خصبة لانهيارات نفسية قد تؤدي إلى الانتحار.

. هل يمكن اعتبار الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي سببًا مباشرًا أم أنه عامل مساعد فقط؟
*تُعد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في لبنان عوامل محفزة، غير مباشرة. عادة ما يكون الانتحار نتيجة تفاعل بين عوامل نفسية، اجتماعية، وبيئية. تزيد الأزمات الاقتصادية والسياسية من معدلات التوتر والاكتئاب، لكنها لا تؤدي بالضرورة إلى الانتحار ما لم تترافق مع عوامل شخصية كالاستعداد النفسي أو وجود اضطرابات سابقة. فالانتحار غالبًا ما يتطلب تفاعلًا معقّدًا بين هذه العوامل. وبالتالي، لا يكفي الفقر وحده أو البطالة وحدها، بل يُضاف إليها الشعور باليأس والوحدة.

. كيف تميّزين بين الاكتئاب العابر والحالات الخطيرة التي قد تؤدي إلى الانتحار؟
*يظهر الاكتئاب العابر غالبًا كرد فعل لأحداث مؤقتة ولكنه يزول بعد فترة قصيرة. بينما الحالات الخطيرة تستمر لأكثر من أسبوعين وتترافق مع أعراض حادة، أبرزها: فقدان المتعة، واضطرابات النوم، والشعور بانعدام القيمة، مترافقة مع أفكار انتحارية. حين يبدأ الشخص بالانسحاب من الحياة الاجتماعية ويفقد القدرة على أداء مهامه اليومية، تكون الحالة مقلقة. وهنا يجب التدخل العلاجي في الحالات التي تستمر فيها الأعراض وتُهدد السلامة النفسية. كما أن وجود تاريخ عائلي أو شخصي لمحاولات انتحار يعتبر عاملاً يزيد من الخطورة.

. ما هي أبرز العلامات التحذيرية التي قد تظهر على شخص يفكر بالانتحار؟
*العلامات التحذيرية تشمل تغيّراً مفاجئاً في السلوك، وفقدان الاهتمام، والانعزال، وكلام عن الموت، أو توزيع بعض الممتلكات أو تخصيصها. كما يُعدّ الإفراط في استخدام الكحول أو المخدرات مؤشرًا مهمًا. يشعر بعض الأشخاص أنهم عبء على الآخرين، أو يعبّرون عن اليأس بصيغ غير مباشرة. كذلك فإنّ تغيّرات في الشهية والنوم قد تكون إشارات مقلقة. أي كلام عن الانتحار يجب أخذه على محمل الجد، ولا يجب التقليل من أهمية هذه العلامات أو اعتبارها مجرد تهويل.

. ما الدور الذي تلعبه الأسرة والمجتمع في اكتشاف هذه المؤشرات؟
*تعتبر الأسرة والمجتمع البيئة الأولى والمباشرة لملاحظة التغيّرات في السلوك أو المزاج لدى الأفراد. يسهم الدعم الأسري في توفير مساحة آمنة للبوح بالمشاعر. كما أن الوعي المجتمعي بمؤشرات الخطر يُسهم في التدخل المبكر. التربية القائمة على الحوار والانتباه العاطفي تجعل من السهل ملاحظة الاضطرابات. وبالعكس، فإن غياب التواصل الأسري أو وجود صراعات مزمنة قد يمنع الشخص من طلب المساعدة. عندما تُدرك الأسرة أهمية الإصغاء دون إصدار أحكام، فإن ذلك يسهم في تقليل احتمالية الوصول إلى الانهيار.

. هل يوجد فئة عمرية أو شريحة اجتماعية أكثر عرضة لهذا الخطر؟
*وفق احصاءات ودراسات، يعتبر الشباب اللبنانيون بين 15 و29 عامًا هم الأكثر عرضة لخطر الانتحار. يعود ذلك إلى الضغوط الدراسية، والبطالة، وغياب الفرص، والصراعات الذاتية. يلي هذه الفئة، كبار السن الذين يعانون من العزلة والتهميش، ما يزيد من المخاطر. والأشخاص ذوو الدخل المحدود، أو من خلفيات أسرية مضطربة، هم أيضًا عرضة. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن الدراسات تظهر بأن الذكور يقدمون على الانتحار بنسب أكثر من الإناث، رغم أن النساء يحاولن الانتحار بنسب أكثر.

. كيف يمكن للأشخاص المقربين أن يتدخلوا لمساعدة شخص يمرّ بحالة نفسية خطرة؟
*التدخل يبدأ بالإصغاء دون إصدار أحكام، وطرح أسئلة مباشرة عن المشاعر والانتحار. يجب توفير بيئة دعم آمنة، مع تفهّم عميق لحالة الشخص. الخطوة الأساسية هي تشجيعه على التحدث لمختص، أو مرافقته للعلاج. قد يفيد إزالة وسائل الإيذاء الذاتي من البيئة المحيطة. كما أن بناء روتين يومي بسيط يساعده في استعادة التوازن. وهنا على الأشخاص المقربين أن يدركوا أن دعمهم لا يعني أن عليهم مسؤولية إيجاد الحل، بل التواجد والثبات إلى جانب الشخص الذي هو بحاجة إلى وجودهم ودعمهم.

. ما هي أفضل طرق الوقاية، وهل العلاج النفسي وحده كافٍ؟
*تبدأ الوقاية بنشر ثقافة العناية النفسية. من المفيد جداً إدماج التربية النفسية في المدارس والجامعات، وهذا أمر ضروري. العلاج النفسي فعال وينجح غالباً في الوصول إلى نتيجة جيدة، لكنه يتطلب دعمًا اجتماعيًا، وتوفير بنية خدماتية متكاملة. بعض الحالات تستدعي العلاج الدوائي أو دخول المستشفى. ومن الضروي أيضاً تدريب العاملين في الصحة والتعليم على اكتشاف العلامات التحذيرية ما يُحسّن التدخل السريع والإيجابي. أيضاً، بناء حملات إعلامية لمحاربة الوصمة حول العلاج النفسي أمر ضروري لأنه يسهل على المحتاجين طلب العلاج بدون إحساس بوصمة عار.

. ما هي الرسالة التي توجّهينها للشباب اللبنانيين الذين يشعرون باليأس؟
*أقول للشباب: أنتم لستم وحدكم. الحياة، ورغم قسوتها، إلا أنها لا تخلو من فسحات للفرح. الألم النفسي أمر فظيع، لكنه لا يدوم. هناك أمل، وهناك دائمًا من يرغب في مساعدتكم. لا تخجلوا من التعبير عن تعبكم. اطلبوا الدعم، وتحدّثوا، بل واغضبوا ولا تكبتوا مشاعركم. أنتم تستحقون حياة كريمة وآمنة. فكروا بأنفسكم كأشخاص مهمين، لا كعبء على الحياة وعلى الآخرين.

. ما الدور الذي يجب أن تلعبه الدولة والجمعيات المتخصصة لمكافحة هذه الظاهرة؟
*على الدولة أن تضع سياسة وطنية للصحة النفسية، وتُموّل خدمات العلاج النفسي. يجب إدماج الصحة النفسية في الرعاية الصحية الأولية. كذلك، توفير خطوط ساخنة متخصصة وتدريب الكوادر البشرية. يجب على الجمعيات أن تعزز حملات التوعية، وتصل إلى المناطق المهمشة. الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني أمر ضروري لبناء منظومة وقائية. كما يجب دعم الناجين من محاولات الانتحار وإشراكهم في حملات التوعية.

. هل تجدين أن الدعم النفسي متوفر بشكل كافٍ في لبنان؟
*للأسف الشديد، لا يزال الدعم النفسي في لبنان محدودًا ومتركّزًا في المدن الكبرى. وكثير من الأشخاص لا يستطيعون تحمّل كلفة العلاج. تعاني المناطق الريفية من غياب المختصين، حيث الخدمات الحكومية شبه غائبة. تقوم الجمعيات غير الحكومية بدور مهم، لكنها لا تكفي لتغطية الحاجة. كما أن الوصمة الاجتماعية تمنع الكثيرين من طلب المساعدة. هذه كلها أمور ينبغي إيجاد حلول لها على المستويين الرسمي والأهلي.

. ما هي النصيحة التي توجهينها لكل شخص يشعر أنه وصل إلى الطريق المسدود؟
*أقول له: توقّف، خذ نفسًا، وذكّر نفسك أن هذا الشعور مؤقت. لا تبقَ وحيدًا، فالتعبير عن الألم هو أول خطوة للشفاء. اطلب المساعدة، حتى لو بدا ذلك صعبًا. الحياة قد تبدو سوداء الآن، لكن هناك من يهتم لأمرك، ومن سيتألم لغيابك. لا تحكم على مستقبلك من خلال الألم الذي تعيشه الآن. ابحث عن شخص يُنصت إليك، صديق أو مختص. دع الأفكار المؤلمة تمر، ولا تغرق في دوامتها، بل أخرجها وعبر عنها بأي وسيلة تشاء. الألم لا يحدّد قيمتك. الطريق المسدود قد يكون بداية مسار جديد…

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,038,050