عجقة السير في لبنان: اختناق يوميّ… وحلول غائبة!
✍️ بقلم: نبيل حرب
في لبنان، تبدأ “الرحلة اليومية” قبل أن يخرج المواطن من بيته، وتحديدًا في اللحظة التي يفتح فيها نافذته ليرى طوابير السيارات المتوقفة بلا أمل… هناك، في الطرقات التي لا تتحرّك، تبدأ معاناة اللبناني مع “عجقة السير”.
ظاهرة باتت أكثر من مجرّد ازدحام مروريّ، بل أصبحت وجعًا يوميًّا يسرق من الناس وقتهم، صحتهم، وكرامتهم.
لم تعد عجقة السير حدثًا طارئًا أو موسميًّا… بل تحوّلت إلى واقع مزمن. سواء في ساعات الذروة أو خارجها، تشهد طرقات لبنان، من العاصمة بيروت إلى أصغر القرى، اختناقًا مروريًّا يُعطّل الإنتاج ويُتلف أعصاب المواطنين.
الأسوأ أنّ الناس اعتادوا على العذاب، وكأنّ الجلوس لساعتين في سيارة لا تتحرّك صار قدرًا لا مفرّ منه.
عند تفكيك أسباب الزحمة، لا نحتاج إلى عبقرية وتختصر بالتالي:
1. غياب النقل العام: لا باصات، لا قطارات، ولا حتى رؤية رسمية لنقل جماعي منظّم.
2. عدد السيارات الهائل: أكثر من مليوني سيارة في بلد صغير بمساحة لا تتعدى 10,452 كم² بالاضافة الى عجقة السياح والمغتربين!
3. سوء التخطيط المدني: مدن متخمة بالمباني، بلا مواقف، بلا أرصفة، ولا منافذ بديلة.
4. الفوضى المرورية: لا التزام بالإشارات، ولا احترام للأولويات، ولا شرطة سير فعالة.
5. أعمال الحفر والتزفيت: فجأة، تُقفل الطرق لأعمال غير منسّقة بينها اصلاح الجسور،مما يزيد الطين بلّة.
6. غياب الردع: لا محاسبة للمخالفين، لا حجز للسيارات المعرقلة، ولا قرارات حاسمة.
ينتج عن ذلك:
خسارة الوقت: يتراوح الوقت الضائع في السير بين ساعة إلى ثلاث ساعات يوميًّا!
الأضرار الصحية: التوتر، الضغط النفسي، تلوّث الهواء، والانهيار العصبي على أبواب المدارس!
الضرب على الاقتصاد: تأخير في الإنتاج، هدر في المحروقات، وكلفة على الشركات والمواطنين.
تراجع نوعية الحياة: كيف يشعر المواطن بالكرامة وهو محاصر كل يوم بين السيارات والعجقة والشتائم؟
اللافت أنّ الدولة تراقب بصمت… بلا خطط واضحة أو مشاريع جديّة. لا مترو، لا أوتوسترادات ذكية، ولا حتى حلول مرحلية مثل:
تنظيم إشارات السير.
فتح طرق بديلة.
تحديد ساعات دخول وخروج الشاحنات.
تشجيع التنقّل المشترك (Carpool).
دعم الشركات لتوفير “دوام مرن” أو العمل عن بُعد.
منع الوقوف على الاوتوستراد امام المحلات والافران التي نبتت على طوله كالفطر.
ربما يمكننا البدء بخطوات بسيطة امام هذا الجحيم مثل:
إطلاق حملات توعية للسائقين.
تفعيل “السرفيس الذكي” أو تطبيقات مشاركة السيارات.
فرض غرامات على المخالفين بشكل صارم.
تعزيز النقل المدرسيّ والجامعيّ الجماعيّ.
انشاء طرقات جديدة ومنع الوقوف على طول الاوتوستراد وتفعيل النقل المشترك وربما تطبيق المجوز والمفرد
لكن الأهم: نحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، تُدرِك أن “عجقة السير” ليست قدرًا، بل نتيجة إهمال متراكم… قابل للحلّ إذا صمّمنا.
اخيرا ،في بلد يتنقّل فيه المواطن بين الأزمات، تبقى أزمة السير الأكثر التصاقا بحياته اليومية، كأنها صورة عن واقع أكبر: ازدحام سياسي، اختناق إداري، وتراجع في الرؤية.
فهل سننتظر طويلاً حتى يفرجها الله علينا من هذا الوجع اليومي والذل الذي نحتاج الى مؤتمر دولي لاخراجنا من محنة العجقة في لبنان؟

