
هل يشترك القاتل والقتيل في الجريمة؟
الأديبة مريم رعيدي الدويهي، في كتابها الجديد “الثلاثيّة الدويهيّة منارة رؤيويّة لعالَم القيَم”، تفنّد مشاركة الجاني والمجني عليه في الإثم – جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة وجميل الدويهي:
من الغريب حقّاً أن يميل مفكّر وأديب عبقريّ كجبران خليل جبران إلى إشراك المجني عليه في الجرم الذي يُرتكب بحقّه. يقول في “النبيّ”: “إنّ القتيل ليس بريئاً من جريمة القتل، وليس المسروق بلا لوم في سرقته… لا يستطيع البارّ أن يتبرأّ من أعمال الشرّير، والطاهر النقيّ اليدين من قذارة المدنّسين… لذلك لا تستطيعون أن تضعوا حدّاً يفصل بين الأشرار والصالحين أو الأبرياء والمذنبين، لأنهّم يقفون معاً أمام وجه الشمس كما أنّ الخيط الأبيض والخيط الأسود ينسجمان معاً في نول واحد… لذلك إذا جاء أحدكم بالزوجة الخائنة إلى المحاكمة فليزِنْ أوّلاً قلب زوجها بالموازين، وليقس نفسه بالمقاييس. وكلّ من شاء أن يلطم المجرم بيمينه يجدر به أوّلاً أن ينظر ببصيرة ذهنه إلى روح من أوقعَ الجرمَ عليه”.
Kahlil Gibran, The Prophet
New York, Alfred A. Knoff, 1953, p. 47-48
يستخدم جبران الوزن والموازين والمقاييس في مقاربته لمسألة الجريمة، مع أنّ أوزانه ومقاييسه لا تستقيم إلاّ في نظام المساواة غير العادلة التي تفرض إرادتها على المجتمعات، فتُساوي بين الجلاّد والضحيّة. وهذه الالتباسات الكلاميّة كانت في عهد جبران مقبولة اجتماعيّاً، وتدغدغ أحلام الباحثين عن جمهوريّة خياليّة لا تنتمي إلى هذا العالم. واللافت أيضاً أنّ نعيمة يحذو حذو جبران، فيقول: “صدّقوا أنّه ما انقضّت صاعقة على بيت فهدّته إلاّ لأنّ البيت جذبها إليه. فالبيت ليس بأقلّ مسؤوليّة عن هدّه من الصاعقة. وما بقرَ ثور رجلاً إلاّ لأنّ ذلك الرجل دعا الثورَ ليبقره. فالرجل مطالَبٌ بدمه أكثر من الثور. ولا طعن رجل رجلاً بمدية فأرداه إلاً من بعد أن شحذ القتيل مدية القاتل وساعده في توجيه طعنته النجلاء. ولا سلب لصّ رجلاً إلاّ من بعد أن درّب المسلوب خطى السالب، فكان شريكه في السلب” (مرداد، ص 149).
لم أعثر في كتب الدويهي السابقة على أيّ نقد لمثل هذه المزاعم، لكنّه في “الثلاثيّة” نفسها لا يقصر في الردّ على رسول ومراد معاً، فيقول: “ليس من مساواة في المجتمعات كلّها بين المجرم والضحيّة، وبين العامل وغير العامل، وبين الخائن والوفيّ. وإنّي أخبركما عن سيّد كان عنده خادمان أمينان. وذات يوم طردهما السيّد من قصره، واحتقرهما أيّما احتقار، فذهب واحد منهما واشترى خنجراً، فطعن سيّده بينما هو نائم في ليلة ليلاء وقتله، بينما كان الآخر يقول في نفسه: ليغفر لك الله أيّها السيّد على ما اقترفتَه بحقّي كما غفرت لك أنا. فأيّ الخادمين في منزلة الكرامة؟ كما أخبركما عن امرأتين جاعتا، فذهبت الأولى واشتغلت في وكر للرذيلة، فباعت جسدها للرجال وقبضت ثمن شرفها المهدور، وعملت الثانية في فندق صغير، حيث كانت تمسح الأرض، وتغسل الثياب، وتنظّف المراحيض، فهل تتساوى المرأتان في المجد والرفعة؟ وأخبركما عن ملك أراد أن يكرّم جماعة من الرجال، فدعا إلى قصره الفيلسوف، والكاهن، والفلاّح، والقاضي، والمهندس… ودعا أيضاً قاطع الطريق. ولمّا طلب الملك من قاطع الطريق أن يتقدّم إليه لكي يضع إكليلاً من الغار على رأسه، خجل هذا، واضطربت روحه، وبسرعة البرق انسحب من القصر، وهو يقول: اغفر لي يا جلالة الملك عمّا بدر منّي، فإنّي لست كهؤلاء الأبرار في منزلة السؤدد. وفرّ من المكان، وكأنّه ينجو بنفسه من المحاكمة… يكون المقتول شريكاً في الجريمة، إلى حدّ ما، لو كان ارتكب جرماً أو معصية من قبل، أمّا البريء الذي يُقتل من غير ذنب، فمن الظلم أن نقول إنّ له ضلعاً في ما ارتكبه القاتل. ولو خفّفت الأمم الأحكام عن كلّ مرتكب لأنّه شريك في الجناية، لتضعضعت الأنظمة، وانحدر العدل إلى الحضيض”.(الثلاثيّة، ص 79-80)
يقدّم الدويهي ثلاثة أمثلة – قصص قصيرة جدّاً، كبراهين ثابتة على منطقه، فهو من طائفة المفكّرين الذين لا يُطلقون الكلام جزافاً، ولا يستخدمون تراكيب مبهمة، تلتبس على فكر المتلقّي، وتُخضعه للقبول، فكلّ ما يكتبه مسند بالأمثال والحكايات والمنطق الصحيح. وقلّما نجد عنده فكرة يكتنفها الشكّ، على الرغم من الرمزيّة التي تهيمن على طائفة كبيرة جدّاً من نصوصه.
_____
مريم رعيدي الدويهي: مشروع أفكار اغترابيّة للأدب الراقي
الفكر المهجريّ الجديد

