مسرحية السير في لبنان

بقلم نبيل حرب

في بلاد الأرز، لا تحتاج إلى مسرح ولا إلى كوميديا سوداء… يكفي أن تخرج بسيارتك إلى الطريق لتكتشف أنك تعيش في عرض يومي اسمه: حياة اللبناني بين حفرةٍ وأخرى معلقة بحبال الهواء.
الحفر ليست حفرًا عابرة، بل مقامات موسيقية كاملة، كل واحدةٍ تعزف لحنًا على عجلاتك، وتتركك إما مكسور الخاطر أو مكسور المقود،عندما تنزل بحفرة اوسع قدرا من جيوب بعض المنتفعين…

العتمة؟ آخ من العتمة! شوارع بلا إنارة، وكأننا نقود في مقبرة جماعية تحيطها الاشباح. أعمدة الكهرباء نبتت في وسط الطرقات مثل الفطر السام، كأن الدولة أرادت اختبار مهاراتنا في لعبة الـ “فيديو غايمز”: تجنّب العمود قبل أن يحذفك من الحياة…

أما الجسور عندنا، فهي تحفة بحد ذاتها. تتشقّق وتتصّدع وكأنها تتدرّب على الانهيار الكبير. والحديث عن الفواصل المعدنية المهترئة يصلح لمشهد من فيلم رعب، لا لواقع بلد يدّعي الحضارة.
وإذا احتاج جسرٌ إلى “براغي”، فلتعلموا أن تثبيت البرغي الواحد عندنا يحتاج شهرًا كاملاً من ورش وازدحامات وحوادث وأبواق سيارات. فماذا لو احتجنا إلى بناء جسر كامل؟! في العالم تبنى الجسور خلال أسابيع، دون أن يلحظ السائق المارّ شيئًا… أما هنا، فالعجقة عمرها من عمر الجمهورية.

ولا ننسى العنصر البشري الذي يزيد الكارثة لنكون منصفين: سائق يرسل “إيموجي” عبر “السلّولر” بينما يسابق الريح او يحضر مع زوجته طعام الغداء اويضرب موعدا مع صاحبته …وآخر يقود دون دفتر سوق، وربما دون أوراق سيارة، وكأن الطرقات مزرعة خاصة. القوانين موجودة، لكن تطبيقها يظلّ فكرة رومانسية مؤجّلةالى حين.
اما في الجبال فلا تسل،ربما على سكان الجبال الاستعانة بعربات الحمير لولا غلاء سعر الشعير نتيجة الاقبال الكثير عليه…

النتيجة؟ عشرات الحوادث يوميًا، وأكثر من 45 ضحية في شهر واحد فقط. الدم على الإسفلت صار مشهدًا مألوفًا، والسلطات غارقة في بيانات التعزية والتنظير، بينما الناس تدفع الثمن.تنزف،تكفر،تموت ولا من يسأل،حتى باتت احصاءات قتلى السير بالارقام وكأن ليس لهؤلاء الناس اسماء…

باختصار: السير في لبنان ليس نظامًا،انما حلبة صراع تتحول فيها الشوارع احيانا الى كاراجات، انه مقامرة يومية،بل مغامرة غير محسوبة النتائج، إما أن تصل حيًا إلى وجهتك، أو تصبح خبرًا عاجلًا يضاف إلى نشرات المساء.

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,045,054