بقلم نبيل حرب
شخصيات لبنانية في استراليا

في سيرة المغترب تولد القصص كما تولد الأنهار من عيون الجبال؛ تبدأ بقطرة شوق صغيرة، ثم تنساب لتصنع مجرىً عميقًا في الروح.
الهجرة ليست سفرًا في الطائرات ولا عبورًا في البحار، بل هي اقتلاع من تربة أولى وزرع في أرض أخرى، تبقى الجذور مشدودة إلى الأصل مهما تعاظم الحلم في بلاد الله الواسعة.

وغسان كركي واحد من هؤلاء الذين حملوا لبنان في قلوبهم إلى أقاصي الأرض، ورسموا في بلاد الاغتراب صورة الوطن كما يحب أن يُرى: وطن العطاء والإبداع والوحدة.وطن الاشعاع والنور. فمنذ أن غادر لبنان عام 1981، لم تكن غربته انقطاعًا، بل كانت صلة وصل بين ضفتين، بين وطنٍ صغير المساحة عظيم العطاء، وقارةٍ واسعة الأطراف اسمها أستراليا؛ تلك الأرض التي احتضنت آلاف اللبنانيين، فكانوا فيها سفراء حضارة وكرم وإبداع.

وُلد غسان كركي في النبعة، حيث الطفولة البسيطة والأحلام الأولى. تركها مرغَمًا عام 1976 إلى جنجلايا، قبل أن تقذف به الأوضاع الأمنية القاسية إلى قرار الهجرة. يقول: “عملت ليل نهار بلا نوم، حتى شعرت أن الأرض تضيق عليّ، فكان لا بد من الرحيل عام 1981 نتيجة ظروف امنية معينة”، فكانت بداية الرحلة – المغامرة نحو أستراليا.

لم تكن الحياة في البدايات سهلة. أستراليا بلاد بعيدة، تضج بالتنوع والأعراق، تحتاج إلى لغةٍ جديدة وأدوات صبر. تعلّم الإنجليزية ستة أشهر فقط، ثم انطلق إلى سوق العمل: مطاعم ماكدونالد التي اكرمته، مصانع بطاريات يعمل فيها معظم المهاجرين من عمره، شركة مكيّفات. هناك عركته التجارب وصقلته الأيام، حتى افتتح شركته الخاصة التي ابتكرت أول مشروع لتركيب فلاتر المياه المنزلية في أستراليا وكان شريكه البريطاني صاحب شركة المكيفات الذي عمل عنده…
لم ينظر إلى المال كغاية لانه من عائلة مرتاحة اصلا، بل اعتبر الجودة والإتقان سرّ النجاح. ومن هنا توسعت أعماله،ونال ثقة الناس، وأصبحت شركته عنوانًا للجودة والسلامة، وأحد أبواب رزق عشرات العائلات.

لكن المال كما قلنا لم يكن همه الأول ولا هاجسه؛ فالقلب ظلّ معلّقًا بلبنان هائما بين وديانه وهضابه والجبال. في التسعينيات ومع عودة الهدوء الى لبنان، عقد اتفاقًا مع شركة طيران الشرق الأوسط لاربع سنوات: كل من يشتري فلترًا يحصل على تذكرة سفر مجانية إلى لبنان. أراد أن تبقى أبواب الحنين مفتوحة، وأن يرى المغتربون وطنهم بأعينهم لا بذكرياتهم فقط بعد الحرب الطويلة على وطنهم.

ثم جاءت محطة مفصلية: افتتاح السفارة الأسترالية في بيروت عام 1993. عندها بادر كركي إلى تنظيم أول وفد وزاري وشعبي على نفقته الخاصة ليشارك في افتتاح السفارة ويتعرف على لبنان. واستمر بتنظيم الوفود من الحكومة الاسترالية على نفقته مناصفة بين العمال والاحرار، ومنذ ذلك الحين وحتى عام 2000، كرّس زيارات متتالية لمسؤولين أستراليين ليتعرّفوا إلى جمال لبنان،وقد كنت يومها اواكبه كصحافي في جريدة الانوار واتساءل هل يمكن لهذا الشخص ان يقوم مقام دولة بتنظيم الرحلات على نفقته،لقد كانوا يظنون لبنان بلدًا منكوبًا، فإذا بهم يفتتنون بسياراته الفارهة، وضيافته الأصيلة، وجباله الخضراء، ومياهه الرقراقة.وبيوته التي تضيء هضابه كالشموع… أحد الوزراء وهو وزير الهجرة يومها فيليب رادوك سأل بدهشة وهو يستقل سيارة مرسيدس 500: “هل هذه سيارة الرئيس؟”، فأجابه كركي مبتسمًا: “إنها سيارة أجرة عندنا”.

لقد كان كركي سفيرًا غير معلن لبلده، يفتح الأبواب، ويكسر الحواجز، ويُظهر للعالم أن لبنان، رغم الجراح، بلد عظيم بأهله. حتى اليوم يحتفظ بعض المسؤولين الأستراليين، وفي طليعتهم فيليب رادوك، بقمصان تحمل الأرزة اللبنانية، ويزيّنون بيوتهم بصور جبران، وتذكارات الأرز، وبعلبك. كل ذلك بفضل مبادراته الصادقة التي زرعت حب لبنان في قلوبهم.
غسان كركي نسج علاقات محبة واحترام مع معظم رؤساء الجمهورية ومجلس النواب والحكومات والنواب والمسؤولين على مختلف المستويات وكان مصدر احترام وثقة وقد كرمته الدولة اللبنانية بمنحه وسام الارز الوطني…اما في استراليا فلاقت خطوته كل تعاطف وتجاوب واستحسان،وباختصار كان اول من دعم لبنان، الخارج من الحرب، في تعزيز علاقاته الدولية مع استراليا ورفع اسم لبنان الى اعلى المستويات.

وعن الجالية اللبنانية في أستراليا يقول كركي: “عندما نلعب الورق، نجلس من كل الطوائف والمذاهب، فلماذا نتوحّد في الاغتراب ونختلف في الوطن؟ العلّة ليست في الشعب، بل في ملوك الطوائف الذين فرّقونا”،فإذا اتفق ملوك الطوائف سرقوا المحصول وان اختلفوا حرقوا الزرع…

هكذا تبدو الجالية هناك: مجتمع متماسك، يعكس وجه لبنان الحقيقي الذي غيّبته النزاعات. في أستراليا، الوحدة ممكنة، والتعايش واقع، والاختلاف لا يلغي المحبة.
ورغم انشغالاته كان مقصدا لكل من يطلب منه امرا وعنوانا للضيافة والكرم والاخلاق،يساعد الكل بلا تفرقة ولا تمييز حتى دون ان يعرف دين الشخص ومذهبه،يكفي انه لبناني.وفي لبنان يساعد عشرات العائلات المستورة من الاهل والانسباء،وخلال كل الازمات والحروب التي عصفت بوطنه لم يقصر يوما مع احد،حتى خلال ازمة المصارف والكورونا قدم ما قدره الله عليه فالمال برايه هو لخدمتنا لا لنكون عبيدا له…وكل ما يقدمه يفعله بصمت كي لا يهين كرامة اي محتاج ودون ان تدري اليد اليمنى ما تفعله اليسرى…

آخر زيارة له إلى لبنان كانت عام 2010 لوداع والده. ومنذ ذلك الحين يعيش على أخبار الوطن لحظة بلحظة. إيمانه راسخ أن الانتماء القومي والوطني فوق كل انتماء آخر، وأن خلاص لبنان لا يكون إلا بالحب والوحدة والتضحية والتعاون والتسامح ونبذ الطائفية .

يقول: “كل من يترك وطنه يموت جزء من جسده يوم المغادرة، لكن القلب يظل ينبض باسمه. نحن لا نميّز بين طوائف ومذاهب، كلنا أبناء بلد واحد، والعلّة في الطائفية، علة العلل”.

غسان كركي لم يكن مهاجرًا عابرًا؛ بل كان جسرًا إنسانيًا بين وطنه الأم وأرض اغترابه. حمل لبنان في قلبه، وصوّر للأستراليين بلده كما يليق به: بلد العزّة والجمال والكرم. قصته تذكير لكل مغترب أن الهجرة ليست انقطاعًا، بل امتدادٌ للانتماء، وأن الغربة لا تقتل الوطن في القلب بل تجعله أكثر إشراقًا واشعاعا ونورا.

إنه شاهد حيّ على معادلة بسيطة: ننجح في الاغتراب لأننا نتكاتف، ونفشل في الوطن لأننا نتناحر.
ولعلّ في سيرته دعوة صادقة أن نحب لبنان كما أحبّه، بلا طائفية، وبلا حدود،وبلا محسوبيات او امتيازات وأن نعيد اكتشافه كما رآه الأستراليون الذين افتتنوا به: بلد صغير، لكنه كبير بأبنائه وعطائه وخلوده وجذور ضاربة في عمق الزمن والتاريخ.
غسان كركي، في هذا المقال، لا يروي. سيرة فحسب، بل يحمل ذاكرة وطن معلقة على جدار الغربة يخبئ لبنان في قلبه، كما تخبئ الأم طفلها من برد الأيام…
من بلاد الأرز إلى القارة البعيدة إلى أستراليا، حيث لم يهاجر بل أسس حضورا وصار صوتا وصورة ناصعة عن لبنان الآخر، لبنان العطاء والمبادرات والانتماء… وكان بمثابة سفير غير معلن للبنان.
ولكل مغترب لبناني في أستراليا نقول أنتم الرفعة والراية يا من جعلتم من لبنان مرآة تلمع فيها كرامتنا وحضورنا في أرض الغربة…يا من تلمعون في سماء استراليا كالكواكب والنجوم…

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,043,180