

بقلم نبيل حرب
شخصيات لبنانية في استراليا
“شخصيات” ليس مجرد مقال او حكاية، بل مساحة نزيهة للكلمة الحرة وللمسيرة الصامتة التي يمكن الاقتداء بها .
هنا لا نحكم على الناس بما يملكون، بل بما يتركون من أثر في القلوب والعقول والضمائر.
نكتب عنهم لا لنكرمهم فحسب، بل لنعلم ونستلهم. ونسلط الضوء، على من يستحق أن يكون قدوة ومثالا.
من نستضيفه اليوم ليس غريبا عن هذا النهج بل هو سيرة تستحق أن تروى. ومسار يفيض بالعطاء والانتماء والإبداع والوطنية والخلق …
هو واحد من أولئك الذين حملوا الوطن في القلب قبل الجيب. وكتبوا اسم لبنان في بلاد الغربة، بحبر التفوق، والعمل، والعطاء والمحبة والتعاون، والإخاء…
فالهجرة بالنسبة اليه ليست سفرًا عابرًا ولا قرارًا بسيطًا، بل قدرٌ يفرض على صاحبه أن يعيش بنصف قلبه في وطنه الأول، وبالنصف الآخر في وطنه الثاني. هي أن تبقى عالقًا بين مكانين، بين ذاكرة لم تبهت يومًا، وبين حاضرٍ صاغه الكفاح والعرق والغربة. المهاجر لا يفقد حنينه ولا يُسقط هويته، بل يظل يحمل وطنه حيثما ذهب، كما تحمل الأم طفلها بين ضلوعها.
من هذه الرحلة المليئة بالدموع والأمل، وُلدت سيرة المغترب اللبناني في أستراليا حسين هوشر، الذي قال: “ولدت في لبنان وهاجرت إلى أستراليا عام 1970، كان عمري يومها حوالي سبعة عشر عامًا. تركت المدرسة، وهاجرت بحثًا عن غد أفضل.”
يستعيد السيد حسين تلك البدايات قائلاً: “قضيت عمري في لبنان بين الأهل والأحبة في سير – الضنية، وكل ذكرياتي الجميلة كانت هناك. غادرت الوطن على نية ان اهاجر، لأدّخر وأبني منزلا فوق منزل أهلي، وأشتري نمرة سيارة تكسي عمومية. كان ذلك هدفي وطموحي وحلمي، لكن عام 1975 اندلعت الحرب اللبنانية، وضاعت الأحلام وأصبحت العودة شبه مستحيلة بعد حربٍ طويلة، فاستقريت في أستراليا.”
لكن الاستقرار لم يكن راحة، بل كان بداية مسؤولية مضاعفة، إذ وجد السيد حسين أن الوطن يزداد ثقلاً في الغربة: “زادت مسؤولياتي تجاه لبنان بسبب أوضاعه الصعبة. كان من واجبي أن أساعد الأهل والأقرباء واصحاب الحاجة وحاولت ان اقدم ما استطعت والحمد لله
وعن الذين تأثر بهم في حياته يذكر بحزن شقيقه الذي توفي وترك فيه الاثر البارز والذي اضطلع بدو الاب رحمه الله ووالدته ايضا التي لعبت ايضا دور الأب والأم والصديقة والمرشدة. ربّتْنا تربية صالحة، وغرست فينا القيم. نحن إخوة نعيش كأننا شخص واحد بقلب واحد ومصروف واحد.”وبدفتر حساب واحد انها احلى نعمة ان يعيش المرء مع اهله بتضامن ومحبة وسلام.
وعن حنينه الى وطنه يقول السيد حسين بمرارة : “لبنان لم أتركه إلا مُرغمًا، ولا يزال الشوق يشدني إليه. في شوارعه، الكل يعرفك ويرمي عليك السلام، تشعر أن العائلات تعيش قلبًا واحدًا، صحيح أننا نعيش في بيوت واسعة في أستراليا، ونحن نشكر الدولة الاسترالية على كل ما بذلته وتبذله من اجلنا، لكن نشتاق للعيش ولو في كوخ بين الأهل والأصحاب والجيران. أنا متعلق بكل حجر، بكل مقعد، بكل مطعم، بكل نسمة هواء، بكل حبة تراب في لبنان. للبنان سرّ في ترابه وحجارته وهوائه، سرّ رباني خالد يجب أن نحافظ عليه بعيدًا عن الطائفية والمذهبية والتشنجات.”
ويروي عن لحظات البداية: “كانت أيامنا الأولى صعبة. أتينا لا نملك فرشة ولا لحافًا ولا وسادة ولا سقفًا يأوينا. بدأنا من تحت الصفر، وكان همّنا تأمين وجودنا هنا ومساعدة أهلنا في لبنان بعدما اندلعت الحرب هناك. تنكرنا لأنفسنا لنقف إلى جانبهم. وعندما كانت تصلنا أخبار الحرب، كنا نتألم كثيرًا. استقبلنا الوافدين الجدد بكل محبة وسلام، وأرسلنا مساعدات قيمة جمعناها في اكثر من مناسبة بفضل تعاوننا ووحدتنا وتكاتفنا. وكان واجبنا ان لا نتأثر بخلافات الوطن وان لا تنعكس سلبا علينا وأن نحافظ على السلم الأهلي في أستراليا، البلد المضياف الذي شرّع أبوابه لنا.”
من هذا المناخ، وُلد مجلس الجالية اللبنانية في نيو ساوث ويلز. يقول السيد حسين: “كان لي شرف العضوية فيه بداية، ثم أصبحت نائبًا للرئيس، ثم رئيسًا. استطعنا أن نقدّم أبهى صورة للجالية اللبنانية بنجاحاتها في مختلف الصعد. جمعنا الناس من كل الطوائف، وساعدنا أهلنا، وقدمنا صورة مشرقة عن لبنان. عملنا مع وزارة الهجرة الأسترالية في اكثر من مجال وساعدنا عشرات العائلات التي هاجرت، وأقمنا قمة روحية جمعت رجال الدين من كل الطوائف، ونالت دعم رئيس الولاية.”وكان لهذه القمة الروحية دور ايجابي كبير على الجالية حيث قلبت الوضع وغيرت المعادلة وانتهت الخلافات وعادت المحبة والالفة ولغة الحوار والمحبة والانفتاح الى جاليتنا بعيدا عن الطائفية والمذهبية والخلافات السياسية وظهر ذلك جليا خلال تعاوننا الذي اثمر وانعكس خيرا على لبنان ،ونتمنى ان يحذو وطننا حذونا في هذا المجال.
ويتابع: “عشنا هنا بانصهار وطني وروحي كامل، المطران يوسف حتي رحمه الله كان يناديني أخي، وكذلك المطران عصام درويش رحمه الله ايضا. ساعدني الأعضاء ورؤساء الروابط والجامعات العائلية والأندية والجمعيات فأقمنا التعاونّ بيننا جميعًا لنرسم صورة مشرقة عن لبنان في أستراليا.”
ويضيف: “استقبلنا يومها الرئيس نبيه بري ومسؤولين ووزراء ونوابًا زاروا أستراليا، ونسّقنا لتسهيل مهماتهم. كما أقمنا مؤتمر الشبيبة اللبنانية لمدة ثلاثة أيام، حضرته حاكمة الولاية السيدة ماري بشير مع كبار الوزراء والمسؤولين. كانت مناسبة للحوار والتعارف، وما زلنا نعيش نتائجها الإيجابية حتى اليوم.”
ويذكر أيضًا: “تشرفت بزيارة فخامة الرئيس إلياس الهراوي يوم زرت لبنان وبمسعى خاص منكم كان اللقاء (يقصد نبيل حرب كاتب هذه السطور)،وباسم الجالية اشكرك على مسعاك يومها، حصلنا على قرار إعفاء طلاب الجالية اللبنانية في استراليا من التجنيد الإجباري، مما سهل بعد الحرب عودة الأهالي مع أبنائهم لزيارة الوطن.”
وفي رسالته للشعب اللبناني، يقول السيد حسين: “الأحداث التي مر بها لبنان جعلت الشباب يدقون أبواب السفارات طلبًا للفيزا، وهذا يحزنني. أتطلع إلى اليوم الذي يتعافى فيه الوطن وينتصر على مشاكله ويصل إلى شاطئ السلام والمحبة. لكن ذلك يتطلب جهد الجميع. الهجرة ليست الخلاص الأول، بل التمسك بالوطن هو الحل. جسدنا في الغربة، لكن قلبنا وروحنا هناك. خلاص لبنان بيد أبنائه، لا بيد الخارج الذي يسعى لمصالحه.”
ويضيف: “نحن نملك اليوم مؤسسات تجارية في أستراليا لبيع مستلزمات البناء والإعمار، واولادنا تفوقوا علينا وهم يمتلكون شركة بناء كبرى تبني مئات الشقق سنويًا. تعلموا منا وتفوّقوا علينا.
واضاف قائلا الغربة جميلة لكن لبنان جميل ايضا ويستحق ان نكافح من اجل انقاذه ، أن الخلاص الحقيقي في لبنان لن يكون إلا بالوحدة والتضامن، ونحن نعتقد انه اذا كل شخص منا ساعد أهله وجيرانه وأبناء بلدته ومعارفه، تصل المساعدات إلى حيث يجب ان تصل. نحن حاولنا أن نساعد قدر المستطاع، وابن اخي هو اليوم رئيس بلدية سير – الضنية، ولم يقصر ابدا ومن ماله الخاص في خدمة المنطقة.”
وحول دور المغترب في الانتخابات، يقول: “المغترب لم ينفصل عن وطنه عاطفيًا وروحيًا. للجالية دور فاعل في الانتخابات لإيصال ممثلين حقيقيين، فالكل سواسية أمام القانون ونحن نريد ان يكون لنا صوتا وازنا في هذا الاستحقاق وفي كل استحقاق…
كلمتي الاخيرة للشعب اللبناني أن يتمسك بوحدته وأخوة ابنائه. الشعب اللبناني ذكي ومعطاء، وجاليته قوية في الخارج، وقادرة على أن تبني لبنان من جديد.” اذا ساعدت الظروف الامنية على ذلك وعم السلام ربوع الوطن.
إن سيرة السيد حسين هوشر ليست مجرد قصة مغترب، بل رواية وطنية بامتياز: صراع بين الحلم والواقع، بين الحنين والوطن البديل، بين مرارة الحرب وعزيمة الحياة. خمس وخمسون سنة في أستراليا لم تمحُ حبّه للبنان، ولم تُطفئ حنينه إلى تراب الضنية وأهلها. إنه واحد من آلاف اللبنانيين الذين حملوا وطنهم في قلوبهم، وحوّلوا الغربة إلى جسر دعم ومحبة.
يبقى الاغتراب مدرسة في التضحية والوفاء للبلد المضياف والجميل استراليا التي اعطتنا كل شيء، لكن يبقى لنا في الوطن جذور وهوية. وكلمتي الأخيرة: “لبنان سرّ رباني خالد… فحافظوا عليه، لأنه لا بديل لكم عنه.”
كلمات مختصرة ينهي بها السيد حسين حديثه،هذا الرجل الرجل الذي يكثر من الافعال ويقل من الكلام،لقد حقق احلامه في استراليا ،لكن وطنه عاش في قلبه ووجدانه،لقد كانت افعاله بوصلة الانتماء،ومعه تحولت الغربة من نفي الى رسالة خير ومحبة وعطاء…وجعل من اعماله وحياته سيرة تروى،لا سيرة تنسى…


