






بقلم نبيل حرب
شخصيات لبنانية في استراليا
الاغتراب اللبناني ليس مجرّد رحلة بحث عن لقمة العيش، بل هو مسيرة كفاح طويلة تُسطّر فيها حكايات النجاح من أقصى أصقاع الأرض. وفي أستراليا بالذات، برزت أسماء كثيرة صنعت لنفسها ولجاليتها مجداً يليق بلبنان الرسالة. من بين هؤلاء، يسطع نجم المحامي فادي الذوقي ، القنصل الفخري للجمهورية اللبنانية في ولاية تزمانيا، الرجل الذي جمع بين الإيمان بالوطن الأمّ والانخراط الفعّال في وطن الاغتراب.
حائز على الوسام الأسترالي، ومُتوّج بشهادات عليا في المحاماة، لم يكتفِ الذوقي بعمله القانوني بل تبوأ مراكز متعددة: يترأس عدّة شركات، محاضر في جامعة موناش، وسفير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. هو أيضاً رئيس غرفة أستراليا ونيوزيلندا ولبنان للتجارة والصناعة في أستراليا، وعضو في مفوضية حقوق الإنسان وتكافؤ الفرص التابعة لحكومة الولاية.
لقد ساعد مئات العائلات اللبنانية والعربية على الاستقرار في أستراليا، وأسس منحاً دراسية باسم عائلة الذوقي للطلاب، ما يعكس إيمانه بأن التعليم هو الاستثمار الأمثل في المستقبل. ولم يقف طموحه عند حدود القانون، بل انطلق إلى عالم الأعمال، حتى اختير رجل أعمال العام 2008 في أستراليا.
لكن خلف هذا النجاح قصة إنسانية مؤثرة. فالهجرة الأولى لوالده المتحدر من راشيا الفخار كانت عام 1969، أما الهجرة الثانية فكانت عام 1983 بعد وفاة والدته وهو لم يتجاوز التسعة أشهر. تركوا لبنان المثقل بالحروب، باحثين عن أمانٍ وكرامةٍ في البعيد. والده حمل على عاتقه مسؤولية التربية، وكان الأب والأم معاً، عوضه بحبّ وحنان، وغرس فيه قيم التضحية والعمل والإصرار.
عرف الذوقي مرارة الغربة وصعوباتها في بداياته، لكنه قرر أن يواجهها بالأمل والعمل، محوّلاً الجراح إلى قوة دفع نحو النجاح. ومنذ طفولته، كان يحلم بالطائرات، يطلب من والده أن يأخذه إلى مطار بيروت ليتأملها. وفي أستراليا، حوّل الحلم إلى حقيقة، فاقتنى طائرة خاصة يقودها بنفسه، ليبقى شاهداً على أن الطموح لا يعترف بالمستحيل.
أما اليوم، فحلمه الأكبر أن يرى أولاده يكبرون أمامه بنجاح واستقرار، وأن يردّ الجميل للبنان الذي يسكن قلبه. لم يُخفِ يوماً خيبته من بعض من ساعدهم فتنكروا له، لكنه يؤمن أن “لا شجرة بلا ثمر تُرمى بحجر”. النجاح يجرّ الحسد، والحسد قد يقتل المحبة والثقة، لذلك يترك دائماً مجالاً لخيبة الأمل كجزء من دروس الحياة.
عمل كمحامٍ لامع، وكسب عشرات القضايا، وأعطى الفرص لعدد كبير من المحامين الجدد، لكنه وجد نفسه أكثر في القطاع الخاص حيث وفّر فرص عمل لآلاف الموظفين – تخطوا السبعة آلاف – في شركاته داخل أستراليا. وفي قلبه امتنان عميق لهذا البلد الذي احتضنه ومنحه فرص العمل والنجاح، فبادل ذلك بعطاء إنساني وخيري واجتماعي.
يقول للشباب: “التخصص في مجال واحد شرط للتميز. الصبر وطول البال ضروريان في الحياة”. وهو الذي خبر مرارة البداية وحلاوة الكفاح، ينصح الجيل الجديد بالتركيز والثبات.
لبنان بالنسبة له خط أحمر. في انفجار مرفأ بيروت عام 2020، تأثر كثيراً، وشبّه الكارثة بهيروشيما. تحرّك سريعاً، فأطلق حملات إغاثة مع الدولة ومؤسسات عالمية لدعم المتضررين، وساهم أيام كورونا والأزمة الاقتصادية في تقديم المساعدات. يقول: “نحن نساعد، لكن من يعيد الحياة لمن مات أو لمن تشرد؟”.
يرى أن الحظ ساعده، لكنه لم يكتفِ به، بل خاض المجازفات وصنع فرصه بجهد. يستلهم من والده الراحل الكثير، ذاك الرجل الذي خدم لبنان في الجيش، وربّى أبناءه على المواطنة بعيداً عن الطائفية والمذهبية. ومنه تعلّم أن محبة لبنان لا تفارقه انه وطن الله على الارض.
أما عن رؤيته للوطن، فيؤكد أن للبنان طاقات هائلة إذا أُحسن استثمارها: البترول، المطارات، الموانئ، السياحة، التاريخ، الآثار، البيئة والمناخ. كلها عناصر قادرة على صناعة نهوض سريع إذا توفّر السلام والاستقرار. وهو على استعداد، كغيره من المغتربين، لدعم إعادة بناء لبنان، مؤكداً أن محبته لوطنه بلا حدود، وأنه كما قال قداسة البابا: “لبنان رسالة”.
ويضيف ان امام لبنان اليوم فرص كبيرة للنجاح والازدهار من دعم دولي كبير ودعم عربي فاعل الى وجود رئيس
جمهورية جاء بشبه اجماع وقد كان على قدر المسؤولية في قيادة الجيش،كما ان رئيس مجلس الوزراء رجل مثقف وشخصية مرموقة ومحبوبة…فكل هذه العوامل وغيرها تعود بالخير على لبنان.
واضاف انا لا تعنيني المناصب، بقدر ما يعنيني أن يحيا اللبناني بكرامة، وأن تُؤمّن لقمة العيش للناس بكرامة، وأن تتضافر الجهود لإعادة إعمار الوطن،وتحسين البنى التحتية وعلينا الاتحاد كمغتربين ومقيمين لدعم قيام ولدينا طاقات كبيرة في لبنان والعالم ان احسننا الافادة منها.
حصد فادي الذوقي خلال مسيرته الكثير من الجوائز والتكريمات، وتكرّم عشرات المرّات على الإنجازات التي قدّمها للبنان الأم، رافعًا اسمه عاليًا في المحافل الدولية. وعندما يُسأل عن سرّ هذا النجاح، يجيب بثقة وعمق:
إنّ الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه. فعندما تفعل شيئًا، عليك أن تفعله بكل قلبك، لأنك تحبّه، لا لأنك مُجبر عليه. هذا المبدأ اعتمدته ما بين بلدي الأم لبنان، وبلدي الثاني أستراليا التي استقبلتنا منذ اليوم الأول بكل حبّ ورحابة. ومن هنا علينا أن نردّ لهذا البلد، كما لوطننا الأم، ما منحنا إيّاه من فرص، عبر الالتزام بالقوانين والجدّية في الوظيفة، والتفاني في العمل الإنساني، واحترام أصول العمل التجاري وقواعده المرعية.”
ويضيف الذوقي: “لبنان يمتاز بموارد بشرية هائلة،كما سبق وقلت وبكفاءات علمية وشبابية لا مثيل لها. فالشباب اللبناني ديناميكي، ذكي، مبدع، ومتماسك، وهو دائمًا يبرهن على قدرته بتحقيق الإنجازات على مستوى العالم. لذلك تبقى اليد العاملة اللبنانية مطلوبة عالميًا أكثر من أي وقت مضى.”
لكنّه لا يخفي قلقه من المشهد المؤلم الذي يعيشه لبنان، حيث يترك شبابه بلده مهاجرين بحثًا عن لقمة العيش ونجاحات أفضل. “نعم، البعض لا يفكّر بالعودة، لكن كثيرين منهم ما زالوا يطمحون أن يعودوا محمّلين بالعلم والخبرات التي اكتسبوها في الخارج، ليضعوها في خدمة لبنان. ومن هنا تكمن الفرصة: أن نحوّل الهجرة من نزيف إلى رافعة، بحيث تصبح هذه الطاقات الشبابية الرأسمال الحقيقي لمستقبل الوطن، ولأنها مستقبل لبنان، يجب أن نراهن عليها.”
قصة فادي الذوقي هي حكاية لبناني آمن أن الغربة قد تكون جسراً لا سجناً، وأن الوطن يسكن القلوب مهما ابتعدت المسافات. رجل حمل حلمه صغيراً، وصنع مجداً كبيراً في أستراليا، لكنه ظلّ مخلصاً للبنان، شغوفاً بأرضه، مؤمناً أن الغد أجمل حين تتكاتف السواعد وتتوحد الإرادات.
من بلاد الأرز رحل فادي الذوقي، إلى القارة البعيدة إلى أستراليا، حيث لم يهاجر. كغيره بل أسس حضورا وصار صوتا وصورة ناصعة عن لبنان الآخر ،لبنان العطاء والمبادرة والانتماء والخلق والإبداع…
هكذا هم الكبار لا يرحلون عن أوطانهم، بل يحملونها، حيث ما صاروا ،يبنون من الحنين قلاعا، ومن الذكريات جسورا تمتد من شاطئ بيروت، إلى ضفاف المحيط في أستراليا.
فالعلاقات اللبنانية الأسترالية ليست مجرد أوراق في سفارات، بل قصص نجاح وحضور وانتماء والجالية هناك لا تمثل لبنان فقط، بل تعيد صياغته في وجدان العالم، فتضيف إلى وجهه المضيء ضياء جديدة.


