هل امتهان الكذب في السياسة قدرٌ محتوم؟ هل تزييف الحقائق وتضليل الرأي العام أمران لا مفرّ منهما؟ هل السياسيّون كذّابون By Default؟ “بيِجوا هيك من الشركة”؟ هل الصدق في السياسة أمرٌ غير واقعي والأخلاقيّات السياسيّة ضربٌ من الخيال؟ هل جمهوريّة أفلاطون ومدينة الفارابي الفاضلة وَهْمان؟

عندما يكذب السياسي، هل يفعل ذلك من أجل مصالحه أو من أجل الوطن؟ هل يكذب كذبة بيضاء مثلاً، أو هو ينافق، ويغش، ويضلّل، ويخدع؟ هل في السياسة “الغاية تبرّر الوسيلة”؟ هل الحكومات أيضاً تكذب لكي تبرّر مثلاً حصولها على مساعدات أكبر من الدول الأغنى والمؤسّسات الأمميّة؟

في مسرحيّة “بيّاع الخواتم” للأخوين رحباني كذب نصري شمس الدين واجترح بطولات وهميّة ليحمي موقعه. قال لفيروز: “هيدي يا ريما مش كذبة، هيدي شغلة حد الكذبة، هي خبريّة”. في مسرحيّة المحطة، كذبت “وردة” على الناس. وعدتهم بالتران الّذي سيأخذهم إلى مدينة أحلامهم. “أنطوان كرباج” لم يتأخّر فباع الناس تذاكر سفر وهميّة. في “لولو” كذبت فيروز على الجميع عندما أوهمتهم أنّها ستقتل شخصاً ما. هم أيضاً كذبوا عليها: الطبيب النفسي، الحبيب السابق، القاضي وزوجته، و”القبضايات”.

إذا كانت السياسة “فنّ الممكن”، وإذا كان السياسي براغماتيّاً وعليه التعاطي بواقعيّة مع الأمور الحاصلة والّتي قد تحصل، هل يستطيع أن يهرب من الكذب؟ من الصعب كثيراً أن تتعاطى الشأن العام وتبقى صادقاً. الناس يحبّون بائعي الأحلام. والسياسيّون بائعو أحلام في بلدان كثيرة ومواضع كثيرة. هم معرّضون لكي يكذبوا في مذكّراتهم حتّى.

من الصعب جدّاً محاكمة سياسي في موقعٍ عام فقط لأنّه كذب. في بعض المرّات يحاسبه الرأي العام. لكن الكذب في السياسة ليس جريمة سياسيّة. بنيامين نتنياهو الّذي وُجّهت إليه اتّهامات بالفساد، حوكم في قضايا فساد تتعلق بـ “الكذب والتضليل” كما جاء في الإتّهام. لكن هذه حالات نادرة. يُحاكم السياسيّون عادة بسبب تهمٍ تتعلّق بالفساد.

أعتقد أنّه من الصعب جدّاً التعاطي المباشر بالشأن السياسي والبقاء نقيّاً. إمكانيّة الكذب حاضرة “على طرق النَفَس”. يستطيع السياسي ذو الأخلاق العالية أن يقاوم مرّة ومرّتين وعشر مرّات لكن في النهاية فإنّ عمله، ونوعية القضايا التي يعالجها، والأشخاص الّذين هو على خصومة معهم، كلّ ذلك يجعله على تماس مباشر مع الكذب. هو ليس قدّيساً ولا نبيّاً. قد يحمي نفسه وصيتَه من الفساد المالي، لكن أن يبقى صادقاً طوال الوقت فذلك صعبٌ جدّاً.

لكن لئلّا أُعمّم وأظلم، أقتبس ما قاله النائب السابق محمد يوسف بيضون عن الرئيس سليم الحص: “خضتُ معه الانتخابات النيابيّة ثلاث مرّات. في معارك الانتخابات هذه كلّها، لم يدلِ الرئيس الحص بأي كلمة كاذبة لأنه لم يكن يمارس السياسة التي عُرِّفَتْ في الحياة السياسيّة بأنّها فن الكذب، كان صادقاً مع نفسه ومع الغير.”

من قال إنّ أمثال الحص غير موجودين في هذا الزمن! وهل يكون كذبهم من نوع ما غنّته فيروز “تعا ولا تجي وكذوب عليّ، الكذبة مش خطية”؟ من الربّ نطلب.

سمير قسطنطين

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,046,410