نبيل حرب
لأن مآثر الشعب تتطلب عملاً خلاقًا يواكب تطور الحضارة الإنسانية، ويهدف إلى ترسيخ هذه المآثر في العقول وفي القلوب، ولأن النحت على الصخر هو التعبير الصادق عن أصالة الشعب وعبقريته، كانت منحوتات ميشال حدّاد العملاقة تشكّل حركة فنية جديدة في لبنان، انطلقت من تراب هذا الوطن اللبناني، الذي نحبّه ونفديه، ومن ثنايا تاريخه المجيد، الذي صنعه أبناؤه بصلابتهم وشجاعتهم، وبإصرارهم على البقاء مهما اشتدّت عليهم المحن، وتكاثرت الصعاب.
في محترفه القريب من مار شربل ترى عشرات المنحوتات التي ينوي ان يحولها الى متحف ومحترف قد يكون الاول في لبنان الذي يعتمد تصميما خاصا…ترى العشاء السري والعذراء وموسى وسليمان الحكيم وابوقراط وسقراط وافلاطون وادونيس واوروبا والثور وهنيبعل واحيرام والارزةالموجوعة…وباختصار كل ما يخطر على بالك تراه هناك وبشكل يكاد ينطق.
وبين التماثيل وغبار الصخور التقيناه وسألناه لماذا اختار الصخر ليطوعه؟
قال حدّاد إنه اختار الصخر لإبداع منحوتاته، لأن الصخر يبقى ما بقي الزمان، ولأن الأجيال الآتية يجب أن ترى أعماله فتتذكّر ما كان عليه لبنان من عظَمة، وما بلغه أبناؤه من فكر نيّر وعلم واسع، وفن خلاق.

ويؤكد حدّاد في حديثه معنا أن منحوتاته تجسّد في شكلها، ومعانيها، حب الحياة والإنسان، والحرية، والسلام، وأنها تعبّر عن روح الشعب اللبناني، الذي كان السبّاق في حمل مشعل الحضارة إلى العالم، منذ فجر التاريخ وإلى يومنا هذا.

ويضيف أن الفنان لا يستطيع أن ينفصل عن قضايا مجتمعه، وأن من واجبه أن يكون رائدًا في الدفاع عن الإنسان، وكرامته، وحقوقه، وأن يسعى دائمًا إلى نشر الثقافة الفنية والقيم الأخلاقية.
وعن جديده يقول انه يعمل الآن على إنجاز مجموعة من المنحوتات الكبيرة، التي ستعرض في عدد من الساحات العامة، وفي مؤسسات ثقافية داخل لبنان وخارجه، وقد فرغ من بعضها مؤخرًا، وهي تحظى بإعجاب النقاد ومحبي الفن…
بشأن بداياته يقول انه
بدأ حدّاد حياته الفنية منذ نعومة أظافره اي منذ نحو اربعين عاما، فكان يرسم على الورق والطين، ودرس الفنون الجميلة ، ثم انتقل إلى النحت على الخشب، وبعدها وجد في الصخر مادته المفضلة، لأنه ـ كما يقول ـ يوحي له بالصلابة والثبات.فهو يعتمد في أعماله على الخيال الخصب، وعلى دراساته المتعمقة في تاريخ الفن والنحت عند الشعوب القديمة، خصوصًا الفينيقيين، الذين يعتبرهم أجداده المبدعين الأوائل في هذا الشرق، والذين نشروا الحرف والعلوم والفنون في البحار والدول.
ويضيف حدّاد إن النحت في لبنان يجب أن يأخذ دوره الطبيعي، وأن الفنانين اللبنانيين قادرون على الوصول إلى العالمية، إذا توفر لهم الدعم والرعاية…
ويؤكد حدّاد أن العمل الفني يحتاج إلى كثير من الصبر، وإلى إيمان عميق بالرسالة التي يحملها الفنان، وبضرورة أن يكون العمل صادقًا، نابضًا بالحياة، وأن يلامس شعور الإنسان أينما كان.

وعن اسعد اللحظات في حياة النحات يقول :أن أمتع اللحظات في حياة الفنان هي تلك التي يكتمل فيها العمل أمام ناظريه، فيشعر بأنه أبدع شيئًا يستحق الخلود، وأنه رفع الصخرة إلى مستوى التحفة التي تُعجب وتُدهش وتُخلّد.

ويقول إنه ينحني أمام الصخرة ليصنع منها جمالًا خالدًا، لا ليخضع هو لها، فهو سيد عمله، وصانع إبداعه، ولا شيء يقف أمام إرادة الفنان العنيد، الذي يواصل العمل حتى الرمق الاخير…
وردا على سؤال حول مشاركته في معارض محلي وعالمية يقول:
لقد شاركت في العديد من المعارض داخل لبنان، وفي بعض الدول العربية والأجنبية، ونلت عدة جوائز تقديرية، وشهادات تكرّيم . كما أن عددًا من أعمالي اقتنتها مؤسسات رسمية وثقافية، ووضعتها في صالات العرض وقاعات الاستقبال الكبرى…
ويقول حدّاد إنه يسعى إلى إنشاء مدرسة خاصة لتعليم النحت في لبنان، تهدف إلى تخريج جيل جديد من الفنانين، قادر على الارتقاء بالفن اللبناني إلى آفاق جديدة.
ويأمل أن يأتي يوم يصبح فيه النحت في لبنان جزءًا مهمًا من حياة الناس، وأن يتذوق الجمهور الجمال الفني، وأن تتحد الجهود لإبراز الوجه الحضاري للوطن.
وعن دقة وصعوبة النحت على الصخر يوضح أن النحت ليس مجرد تشكيلٍ وزخرفة للصخر، بل هو عملية فكرية عميقة، تتطلب رؤية واضحة، وإحساسًا مرهفًا، ودراسة معمّقة للشكل والكتلة والظل والنور، حتى تأتي التحفة مكتملة متناسقة تكاد تنطق.
وعن آخر مشاريعه اليوم قال انه يعمل على تطوير عدد من المشاريع الفنية، التي ستُعرض في عدد من العواصم، بهدف تقديم صورة مشرقة عن لبنان، وتعريف العالم على قدرات أبنائه في الإبداع والابتكار.بالاضافة الى تنفيذ حلم قديم طالما راودني وهو انشاء متحف مميز حيث نحن الآن بالقرب من مار شربل.

كما دعا حدّاد المسؤولين إلى الاهتمام بالنحاتين، وتقديم الدعم لهم، لأن هذا الفن ـ في رأيه ـ ليس ترفًا، بل هو ضرورة من ضرورات الحياة، وركن أساس في بناء الحضارة.
ويؤكد أن الشعب الذي لا يقدّر فنونه، ولا يحافظ على تراثه، يفقد جزءًا كبيرًا من وجوده وهويته.
ويشير حداد إلى أن الحركة الفنية في لبنان تحتاج إلى رعاية اكبر من قبل الدولة، وأن النحاتين اللبنانيين لديهم الطاقات الخلاقة، ولكنهم بحاجة إلى اهتمام أكبر من الدولة والمؤسسات الخاصة.
ويقول أيضًا إن النحت في لبنان يمكن أن يشكّل موردًا ثقافيًا وسياحيًا مهمًا، إذا تم تنظيم معارض دائمة في مختلف المناطق اللبنانية، ووضع منحوتات في الساحات العامة والطرقات الرئيسية.
وختم حدّاد كلامه بالتأكيد على أن الحب هو الأساس في كل عمل، وأنه سيبقى يعمل ما دام قادرًا على الإمساك بالأزميل والمطرقة، لينحت من الصخر جمالًا خالدًا، يروي قصة شعب لا يموت…

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,043,124