بقلم نبيل حرب
رئيس التحرير

«سمعتُ صراخ شعبي… ونزلتُ لأنقذهم» (سفر الخروج 7:3).
و«طوبى للودعاء… طوبى لصانعي السلام» (متى 5).
لكننا في لبنان لم نعد نسمع سوى وجع الناس، وأنين العائلات، وصرخات الشباب الذين فقدوا الرجاء.
وإن كان الرب قد قال: «تعرفون الحق، والحق يحرّركم» (يوحنا 32:8)،
فإن واجبي اليوم أن أقول الحقيقة كما هي… لعلّ صوتنا يصل إلى قلب راعٍ لا ينام…

قداسة البابا،
نرحّب أولًا بقدومكم المبارك إلى وطن الأرز، آملين أن يحمل حضوركم الطمأنينة لهذا الشعب الطيب، وأن تنساب منكم بركات السلام إلى كل بيت وكل نفس. فزيارتكم رجاءٌ كبير، ونافذة أمل في زمن أُقفلت فيه بوجوهنا كل النوافذ.

ولأن قول الحق يحتاج إلى جرأة، ولأن المسيح قال: «تعرفون الحق، والحق يحرّركم»… أحببت أن أخبركم عن وجع شعبي، فضميري يؤلمني إن لم أصارحكم بتلك الحقيقة التي قد لا تصل إلى مسامعكم كاملة. فلو لم تكن حال رعيتكم في أسوأ ما يكون… لما كتبت إليكم بصفتي صوتًا من أصوات الناس البسطاء الذين فقدوا القدرة على الصراخ…

قداسة البابا،
معظم الذين سيلتقونكم سيخبرونكم أننا بخير، وأننا صامدون، وربما مزدهرون… لكن اسمحوا لي بالأمانة التي نشأتُ عليها أن أقول لكم وبكل احترام: رعيتكم في لبنان ليست بخير أبدًا.

لن يخبروكم يا قداسة البابا،
عن بيوت أهلنا في الجبال التي تحوّلت إلى أطلال بعدما هجرها أصحابها إلى أقاصي الدنيا قهرًا ويأسًا وقرفا.
لن يخبروكم عن الحقول التي يبست تربتها بعد أن غاب عنها من كان يفلحها ويحرسها بعرق جبينه.
لن يخبروكم عن القرى التي تحوّلت إلى أطلال…
لن يخبروكم عن هجرة الكفاءات… عن الأطباء والمهندسين والجامعيين والشباب الذين حملوا عقولهم ورحلوا ليعيشوا بكرامة بعيدًا عن وطنٍ لم يعد يحتويهم.

لن يخبروكم،
عن الشباب اللبناني الذي يقتل اليأس أحلامه ويخنق أنفاسه… عن حالات انتحار تتكرر كل يوم لأن الضوء انطفأ في نهاية النفق، ولأن الأمل أصبح سلعة مفقودة.

لن يخبروكم،
أن الحد الأدنى للأجور بعد مئات الاجتماعات صار 300 دولار، وهذا المبلغ لا يكفي لإيجار غرفة ولا لكهرباء بيت، ولا يقي مواطنًا من الجوع والذل والعوز،علما ان كل الدراسات تشير ان العائلة المتقشفة بحاجة اقله الى ١٢٠٠ دولار بالشهر لتحيا…
كيف يعيش الإنسان مُكرَهًا بـ 300 دولار في الشهر؟
وكيف بالشباب المسيحي أن يتزوج ويشتري منزلًا ويربّي عائلة بهذا المبلغ؟
وكيف لمتقاعد ان يقضى بقية العمر اذا كان تعويضه لا يكفي لآخر الشهر!

لن يخبروكم،
عن الطلاق وتفكك الأسر وما يجري في المحاكم الروحية… عن البيوت التي تنفجر خلافاتها بسبب الفقر، لأن القلّة تولّد القسوة… ولأن الجوع ليس فضيلة… وصدق من قال: لو كان الفقر رجلًا لقتلته…
لن يخبروكم عن العجزة الذين يموتون ظلمًا لأن لا من يرعاهم ولا من يشتري لهم حبّة دواء،وان فعلوا فعبر التصوير والاستعراضات…

لن يخبروكم،
عن مساعدات تأتي باسم فقراء لبنان وباسم طلاب الجامعات والمدارس… من المنتشرين الذين يُستنزفون باسم الفقراء والتعليم، ثم تُحجب عن أصحابها الحقيقيين، لتتقاسمها المحسوبيات والأغنياء وتضيع بين أيدٍ غير أمينة …

لن يخبروكم،
عن بعض الجامعات الخاصة التي تحمل اسم قديسين والتي تأسست على أراضٍ وأوقاف وهبها أجدادنا للكنيسة، فإذا بها ترفع الأقساط إلى حدّ يدفع الأهل لبيع بيوتهم وأرزاقهم وسياراتهم واثاثهم واراضيهم وذهب نسائهم… وأحيانًا بيع أنفسهم كي يتعلم أولادهم ولا من يتفضل بالاستماع إلى شكواهم على الأقل!
عن بعض المدارس الخاصة التي تقول إنها لا تهدف للربح… لكنها رفعت الأقساط وكأن بعضها شركات استثمارية لا مؤسسات تربوية.

لن يخبروكم،
عن انعدام القيم والغش والفساد والرشوة التي مزّقت مجتمعنا في الصميم،
ولا عن بعض المستشفيات التي تحوّلت إلى جنة لا يدخلها إلا الأغنياء… وكم من مريض يموت على باب سرير مغلق بوجه الفقير.

قداسة البابا،
الناس تهاجر والشباب يتسول التأشيرة على ابواب السفارات فهل تعلمون أن لبنان ،حتى في زمن المماليك، وفي زمن التتار والمغول والعثمانيين… لم يترك المسيحيون أرضهم. أسّسوا قرى وحصونًا ليعيشوا فيها بحرية وصمدوا ولم يتركوا وطنهم.
هل تدري يا صاحب القداسة أنّه أيام الحربين العالميتين الأولى والثانية كانت نسبة هجرة المسيحيين أقل من السنوات العشر الأخيرة، ولو تسهّل بعض الدول الهجرة إليها لتضاعفت الأرقام…

واليوم… من يحافظ على هذه الأرض إذا هاجر الشباب؟ لمن تبقى الأوقاف المسيحية التي وهبها أهلنا وأجدادنا للكنيسة؟ ولمن تبقى الأديرة والكنائس ولمن تقرع الأجراس إذا خلا الوطن إلا من شيخوخةٍ تنتظر الرحيل؟

أليس من واجب السلطات الكنسية أن تقف إلى جانب شعبها الفقير المحتاج اكثر فاكثر في أصعب الظروف؟
وهل يوجد بعد أصعب من ظروفنا اليوم بعدما انخفضت الأجور وسلبت المصارف مدخرات أعمارنا وليراتنا البيضاء وانعدمت فرص العمل وان توفرت فبأجر زهيد… وصدقوني يا قداسة البابا لولا وجود المغتربين الذين يرسلون المال لأهلهم بين وقت وآخر لكانت رعيتكم في أسوأ حال وربما بلا طعام…

نعم، بإمكان الكنيسة أن تساعد أكثر في التعليم والطبابة والسكن والحياة كما فعلت مثلا جامعة الحكمة…
أليست الكنيسة أمّ المؤمنين وملجأهم الحصين؟اليست الكنيسة مرجعنا واملنا وملجأنا؟
ألا تملك من الأوقاف والاستثمارات والامكانيات ما يخولها لعب دور المنقذ في هذه المحنة؟
ماذا تنتظر؟
أن نفقد آخر معقل للوجود المسيحي الحر في هذا الشرق؟

لبنان الرسالة… يا قداسة البابا…
هو آخر شمعة في قنديل الشرق.
ألا يستحق أن نحافظ عليه عبر تجذر شعبه المسيحي فيه وتأمين وسائل الصمود الحياتية لهم؟

أعرف أن كثيرين لن يخبروكم بهذه الحقائق،
أعرف أن كلامي موجع… وربما مُربِك… لكنه الحقيقة التي تعيش بين بيوتنا وعلى وجوهنا وتحت وسائدنا،وقد حاولت ان الطف ما اقول.

لقد قررت أن أقول لكم كل شيء وبصوت عالٍ وبكل خشوع واحترام علّه يصل، فرعيتكم ليست بخير،
وأن المسيحيين في لبنان ليسوا بخير…ولبنان ليس بخير.

قداسة البابا
اكبر قاتل في الحياة هو قاتل الأمل،ونحن نأمل ونصلي ونضرع معكم ان يوفق الله رئيس جمهوريتنا في قيادة لبنان الى بر الامان ،انه آخر امل لنا،ولعل زيارتكم وصلواتكم تعطي الدفع والقوة والامل لإعادة السلام والوئام والأمن والطمأنينة الى ربوع وطننا لبنان كل لبنان.
نرجوكم يا قداسة البابا،
أن تنظروا إلينا بعين الراعي الحقيقي… وأن تسمعوا وجعنا، فنحن ابناءكم، قبل أن نصبح ذكرى في كتاب التاريخ… أو حكاية شعب…
قداسة البابا،
ما كتبته ليس احتجاجًا على الزيارة وسنكون في طليعة المستقبلين، بل صلاةٌ من قلبٍ موجوع، نرفعها مع كل الذين ما عادوا يجدون في الأرض انصافا ولا في الحياة كرامة…
نكتب إليكم لأننا نؤمن أنّ “ صوت المسيح لا يزال ينادي عبر قداستكم: “تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم” (متى 11:28).
بدل ان نذهب اليكم اتيتم الينا ،وكل ما نرجوه أن يحمل حضوركم بيننا بلسماً للجراح، ونورًا يبدّد ظلمة الإحباط، وأن تذكّروا العالم بأنّ لبنان ما زال، رغم صليبه الثقيل، أرض الرجاء والميلاد والقيامة.
فليكن مجيئكم إلينا تذكارًا للسلام، ودعوةً لأن نعود إلى جوهر الإيمان،جوهر الحياة المسيحية، حيث الإنسان هو هيكل الله الحي، وحيث الكلمة الصادقة أقوى من كل سلطان.
نضرع يا صاحب القداسة ان يكون بعد زيارتكم الينا ليس كما قبلها،وان تحمل زيارتكم الأمل بغد مشرق وبولادة لبنان جديد مع بداية شهر ميلاد المسيح…
“فما من شيء غير ممكن عند الله”
لو ١ : ٣٧

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,043,581