بقلم نبيل حرب

في بلدٍ أثقلته الأزمات حتى كادت تعصر أنفاس الناس، خرجت إلى العلن حسب بعض الاحاديث حملات جمع تبرعات “لدعم” زيارة البابا، تحت عناوين براقة: تأمين باصات، شراء ألبسة، توفير مياه، نصب يافطات… وكأن حضور قداسة البابا، بسلامه ورسالته ورمزيته، يحتاج إلى مظاهر احتفالية تموَّل من جيوب من لا يملكون ثمن ربطة خبز.

من أين وُلدت هذه الحملات؟ وعلى أي أساس فُتحت صناديق التبرع ؟ ومن يضمن أن المال سيذهب فعلًا إلى الغاية التي جُمع لأجلها؟
أسئلة تُطرح بحرقة، لا بدافع التشكيك، بل بدافع الأمانة للناس الذين سُحقت قدرتهم على العطاء حتى لم يبق لهم فلس الأرملة الذي مدحه الرب يسوع حين قال إنّها “ألقت كل ما تملك، كل معيشتها”.

هل تحتاج زيارة البابا إلى حملة “تسوّل” من المؤمنين المعدمين الفقراء؟ وقد قال عنهم :«من كان له معيشة هذا العالم، ورأى أخاه محتاجًا، وأغلق أحشاءه عنه، فكيف تثبت فيه محبة الله؟»
1 يوحنا 3: 17
وهل تُقاس حرارة الإيمان بعدد اليافطات أو حجم الحشد في الساحات؟
وهل يُنتظر من العائلات المكسورة، من المتروكين فريسة الفواتير والغلاء والجوع، أن يقتطعوا من لقمة أولادهم بحجة إنجاح الزيارة، فيما الرب نفسه “لم يكن له أين يسند رأسه”؟

إن زيارة البابا، حيثما حلّت، تأتي عادةً ليمسح على جراح الناس، لا ليفتّش في جيوبهم.
تأتي لتكون فسحة رجاء، لا تكلفة إضافية.
تأتي لتذكّرنا بقول المسيح: “تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم”، لا لتثقل كاهل المتعبين بحمل جديد.
تأتي لتبارك الفقراء… لا ليُستنزفوا باسمها.

ألم يكن أجدى تأسيس صندوق مركزي يدار بشفافية لهذه المناسبة  وأن تُوجَّه الدعوات إلى من يملكون المال، إلى الأثرياء الذين يعرفونهم واحدًا واحدًا، لا إلى من لم يعد في بيوتهم ما يكفي ليوم غد؟
إلى بعض المدارس الخاصة التي تتقاضى أقساطًا عالية وبقدرتها أن تدفع؟
إلى الجامعات التي تحمل أسماء قديسين وأقساطها أغلى من جامعات العالم، وبإمكانها أن تسهم بالكثير؟
إلى الأوقاف وصناديق استثمارها وهي على امتداد الدولة اللبنانية، الى المؤسسات الكبرى، والمصارف والشركات العملاقة والبلديات والجمعيات العالمية وغيرهم وغيرهم؟
هؤلاء الذين يعرفهم الجميع، والذين ليس عليهم حرج إن ساهموا، بل واجب أخلاقي وروحي، خصوصًا وأنّ الكتاب المقدس يدعونا أن “نحمل بعضنا أثقال بعض”.

أما المؤمن الفقير… فماذا بقي ليعطيه؟ ولماذا نقهره وندوس على كرامته حين يرى نفسه مقصّرًا وغير قادر على العطاء؟
هو الذي يعيش بين قهر البطالة، وذل الفواتير، وهاجس التعليم، وحرقة الدواء، وعتمة الكهرباء.
هو الذي يشاهد أبناءه يذهبون إلى المدرسة دون طعام، ويجلس ليلاً يحدّق في مستقبل مظلم لا نافذة فيه.
هو الذي يذكّرنا الرب من خلاله بأن “طوبى للمساكين” وأنّهم في قلب الإنجيل ورسالته.

كيف يُطلَب منه التبرع بينما ينتشر الانتحار، ويتزايد الطلاق، وترتفع العنوسة، ويهاجر الشباب، ويغرق كبار السن في المرض والوحدة؟
كيف يُطلب منه العطاء وهو نفسه يستحق أن تُقدَّم له يد العون لتأمين الحدّ الأدنى من الحياة الكريمة، وهو من قال عنه يسوع: “كنت جائعًا فأطعمتموني… كل ما فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتم”؟

الزيارة البابوية، في جوهرها، يفترض أن تكون فرصةً لتوجيه الأنظار إلى الفقراء، لا لتجيير فقرهم…
أن تكون مساحة رحمة… لا مناسبة طلب.
أن تُعيد الاعتبار للإنسان… لا أن تُحمله عبئًا جديدًا.
أن تكون فعل محبة، كما في الوصية الأولى، لا فعل استغلال من أي نوع.

نعم، أهلاً بقداسة البابا في لبنان، كل لبنان.
ولكن، باسم احترامنا له، وباسم محبتنا لكل ما يمثله، نقول:
ارحموا الشعب المكسور.
لا تجعلوا من ضعفِه وسيلة لإذلاله، ولا تجعلوا من الزيارة مناسبةً لمدّ اليد إلى من لا يملك شيئًا إلا كرامته.

فالرحمة التي نرجوها من السماء تبدأ من الأرض، من الإنسان، من الفقراء.
فارحموا من على الأرض… ليرحمكم من في السماء.

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,044,670