نبيل يوسف

بعد المجزرة التي تعرض لها رهبان مار مارون سنة 517 حين قتلوا منهم 350 راهبًا، بقي من نجا منهم على إيمانهم الخلقيدوني متعلقين بتعاليم الكنيسة الجامعة مظهرين أمانة لا يشوبها عيب لخلفاء بطرس، فأرسلوا رسالة الى قداسة الحبر الأعظم البابا هورميذداس أعلموه فيها بما جرى وما قام به ساويروس وتدمير كافة الكنائس الكاثوليكية”…. وقتل الكثير من رهباننا ويجبرنا على احتقار المجمع المقدس، ونحن مشتتون البعض هرب الى دير القديس سمعان في نواحي حلب والقسم الآخر الى جبال لبنان العالية ….”.

وقع الرسالة اسكندر رئيس الدير الناجي من المذبحة الذي ختم الرسالة بتوقيعه وهذه العبارة: أنا الراهب اسكندر رئيس دير القديس مارون وقعت هذا الالتماس.

في 10 شباط 518 وصل الرد من البابا وفيه يشد من عزيمة الرهبان ويحثهم على الصمود والبقاء على الاعتراف بكنيسة روما.

في القرن السابع خرجت انطاكيا نهائيًا عن سلطة القسطنطينية بعد أن اجتاحتها الجيوش الاسلامية سنة 636، وأصبح الكرسي البطريركي شاغرًا فعمد الأساقفة في القسطنطينية الى انتخاب بطريرك فخري لأنطاكيا يقيم في القسطنطينية، لم يكن يمارس من مهامه شيئًا.

بعد سيطرة الخليفة معاوية على بلاد الشام، سمح للمسيحيين الخلقودنيين الملكيين الذين يتبعون كنيسة روما برسامة بطريرك لانطاكيا فرسموا بطريركًا أقام في دمشق وكان شرعيًا كنسيًا ودعي باسم ثيوكلفت، ولكن خليفة معاوية مروان ومن ثم عبد الملك منعوا انتخاب البطاركة. وكان البيزنطيون توقفوا قبل زمن عن رسامة البطاركة الفخريين لانطاكيا، وأضحت أحوال المسيحيين ضائعة من دون بطريرك.

في هذا الوقت، ورغم كل ما تعرضوا له، كان عدد الموارنة أصبح كبيرًا وانتشارهم يمتد من سهول حلب وحمص شمالاً حتى قمم جبال لبنان الشمالية وصولاً الى نواحي منابع نهر ابراهيم جنوباً، ولما كان كرسي انطاكيا شاغرًا اجتمع الرهبان الموارنة وانتخبوا عام 686 الراهب يوحنا مارون، وكان أسقفًا على مدينة البترون منذ عام 675 بطريركًا على كرسي انطاكيا. وهو أول بطريرك ماروني على كرسي انطاكيا والبطريرك الثالث والستون بعد القديس بطرس مؤسس الكرسي في القرن الأول ميلادي: بهذا الانتخاب بدأ بناء وتنظيم الكنيسة المارونية على الصعيد الكنسي والوطني والاجتماعي.

لم يكن هدف الموارنة عند انتخاب بطريرك منهم تأسيس كنيسة منفصلة عن الكنيسة الجامعة، بل تعبئة فراغ بعد شغور الكرسي البطريركي الانطاكي بوفاة البطريرك انستاز الثاني في أيلول 669 وبقاء الكرسي شاغراً، وحفظ الرعية من التشتت والارتهان والذوبان، وتسريع شؤون المؤمنين لأن روما بعيدة جداً عن الشرق.

لذلك فور انتخابه بطريركاً طلب البطريرك يوحنا مارون درع التثبيت من قداسة الحبر الأعظم خليفة القديس بطرس، فوافق البابا على الانتخاب وأرسل درع التثبيت، فأصبح البطريرك الماروني خليفة القديس بطرس في رئاسة الكنيسة الانطاكية، وراح البطاركة الموارنة يضيفون اسم بطرس الى أسمائهم.

عند انتخابه حاول البطريرك الماروني الأول العودة الى دير مار مارون، لكنه سرعان ما عاد الى جبال لبنان حاملاً معه هامة القديس مارون، وحل في بلدة كفرحي في بلاد البترون وشيد دير “ريش مارو” ومعناه رأس مارون، وضع فيه جمجمة القديس مارون وأقام فيه.

في عهد البطريرك الماروني العاشر يوحنا وهو الرابع بهذا الاسم عقد المجمع القسطنطيني المقدس سنة 869.

بقي الموارنة معتصمين في جبال لبنان الشمالية الممتدة من اهدن وجبة بشري الى جبة المنيطرة قرب منابع نهر أدونيس “ابراهيم” حتى وصول الحملات الصليبية، فهبطوا من جبالهم لملاقاتها، وكان اللقاء الأول في سهل عرقا في عكار، ومن هناك سار الفرسان الموارنة مع الحملة الى مدينة القدس.

أول بطريرك ماروني شارك في مجمع مسكوني كان البطريرك أرميا العمشيتي (1199 – 1230) وهو الثاني بهذا الاسم الذي حمل الرقم الاثنين والثلاثين من سلسلة البطاركة الموارنة، وشارك في المجمع المقدس في لاتران عام 1213 الذي قرر ايفاد حملة صليبية لاسترجاع الأراضي المقدسة، وفي عهد البطريرك سمعان (1245 – 1277) وهو الرابع بهذا الاسم الذي حمل الرقم الخمسة والثلاثين في سلسلة البطاركة الموارنة أرسل البابا اينوشنسيوس الرابع سنة 1246 الأخ لورنسيوس الفرنسيسكاني زائرًا رسوليًا الى الشعب الماروني، وعاد واستقبل البطريرك يوحنا الجاجي (1404 – 1445) العاشر بهذا الاسم الذي حمل الرقم الأربعة والأربعين الأخ انطون طراياطو من رهبان مار فرنسيس الذي أرسله البابا اوجين الرابع زائرًا رسوليًا الى الشعب الماروني.

في عهد البطريرك الخمسين سركيس الرزي (1581 – 1597) تأسست المدرسة المارونية في روما سنة 1584 فخر الانجازات المارونية وجاء الأب جيروم دنديني سنة 1596 لزيارة الطائفة المارونية وتفقد شؤونها، وهو الذي كتب وصفًا عن الحياة المارونية أصبح مرجعاً تاريخياً وفي عهد خليفته البطريرك الواحد والخمسين يوسف الرزي وهو الثالث بهذا الاسم (1597 – 1608) وهو ابن أخ البطريركين مخائيل وسركيس الرزي بدأ الموارنة باتباع التقويم الغريغوري.

أول بطريرك ماروني من تلامذة المدرسة المارونية في روما كان البطريرك الثالث والخمسين جرجس عميرة وهو البطريرك الأول بهذا الاسم (1633 – 1644) ومؤلف غراماطيق سرياني – لاتيني.

ابتداءً من القرن السابع عشر بدأ وصول أعضاء من الرهبانيات اللاتينية إلى لبنان ليقوموا بمساعدة الاكليروس الماروني في مهمتهم التربوية. منهم الكبوشيون الذين وصلوا سنة 1626 والكرمليون سنة 1635 واليسوعيون سنة 1656. ورهبانيات أخرى قدمت فيما بعد.

سنة 1710 أقال أعضاء مجمع الأساقفة الموارنة البطريرك التاسع والخمسين يعقوب الخوري عواد وهو البطريرك الرابع الذي حمل هذا الاسم (1705 – 1733) وأقاموا عوضه الأسقف يوسف مبارك الريفوني، لكن الكرسي الرسولي اعتبر تنزيله باطلاً فأعيد الى كرسيه، وسنة 1742 انتخب الأساقفة الموارنة البطريرك سمعان عواد الحصروني (1742 – 1756) السابع بهذا الاسم، الذي حمل الرقم الواحد والستين من سلسلة البطاركة الموارنة، لكنه أبى قبول الانتخاب زهدًا فحصل خلاف بين المطارنة وانتخب فريق منهم المطران الياس محاسب والفريق الآخر طوبيا الخازن، فحكمت حاضرة الفاتيكان ببطلان الانتخابين فأعيد الى كرسيه، وفي عهده حرّم البابا مبارك الرابع عشر الراهبة هندية وألغى رهبانيتها.

في ولاية البطريرك الثالث والستين يوسف اسطفان (1766 – 1793) وهو البطريرك السادس الذي حمل هذا الاسم وقع خلاف بينه وبين الكرسي الرسولي بسبب الراهبة هندية فتمت تنحيته ونفي إلى فلسطين، لكنه أعيد الى كرسيه بكل احتفال.

بعد تنازل البطريرك السادس والستين يوسف التيان (1796 – 1809) وهو البطريرك الثاني بهذا الاسم عن البطريركية مؤثرًا حياة النسك انتخب الأساقفة الموارنة بحضور القاصد الرسولي المونسنيور لويس غندلفي البطريرك يوحنا الحلو (1809 –1823) وهو البطريرك الثالث عشر الذي حمل هذا الاسم، وحمل الرقم السابع والستين.

في عهد البطريرك الثاني والسبعين المكرم الياس الحويك (1899 – 1931) قدمت إلى روما سنة 1925 دعوى تطويب الراهب اللبناني الأب شربل مخلوف.

أول بطريرك ماروني أصبح كاردينالاً سنة 1965 كان البطريرك الرابع والسبعين بولس المعوشي (1955 – 1975) وهو البطريرك الثاني بهذا الاسم، وفي عهده طوب الأب شربل مخلوف وتوقف البابا بولس السادس في مطار بيروت سنة 1964.

من ثم أصبح كل بطريرك ماروني كاردينالاً، وفي عهد البطريرك الخامس والسبعين الكاردينال أنطونيوس خريش الثاني بهذا الاسم (1975 – 1985) رفع الطوباوي شربل مخلوف الى مرتبة القديسين وأعلنت الراهبة رفقا طوباوية.

في عهد البطريرك السادس والسبعين الكاردينال نصر الله صفير (1986 – 2010) أعلنت الطوباوية رفقا قديسة، والأب نعمة الله الحرديني طوباويًا ومن ثم قديساً والأخ اسطفان نعمه طوباوياً، وفي أيار 1997 زار قداسة الحبر الأعظم البابا القديس يوحنا بولس الثاني لبنان.

وفي عهد البطريرك الحالي الكاردينال بشارة الراعي الذي حمل الرقم السابع والسبعين المنتخب سنة 2011 زار البابا بندكتوس السادس عشر لبنان في أيلول 2012 وهو البطريرك الماروني والشرقي الأول الذي يشارك في انتخاب بابا جديد عام 2013 عندما شارك بانتخب البابا فرنسيس الأول.

رحم الله الأب بولس صفير واضع سيرة البطاركة الموارنة التي نستند إليها في أبحاثنا.

نداء الوطن

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,046,411