
بقلم : نبيل حرب
رئيس التحرير
عرفتُ الأخ نور منذ نحو خمسةٍ وأربعين عامًا، يوم كنتُ في بدايات حياتي الصحفية في جريدة الأنوار. يومها لم يكن في بالي أن لقاءً بدافع الفضول سيصير شهادة عمر، ولا أن رجلاً حافي القدمين سيعلّمني درسًا في الإنسانية لا تمحوه السنين ولن انساه الى الأبد…
كنتُ أراه يمرّ كل يوم في زوق مكايل حافي القدمين غير عابئ حتى بتساقط المطر، بثوبٍ بالٍ من الجنفيص حافيًا، صامتًا، كأنه عابر سبيل لا شأن له بضجيج العالم… شدّتني صورته لا شفقةً بل دهشة، فقصدته بدافع “الحشرية الصحفية”، فدلّني الطريق إلى مستوصفه المتواضع، حيث كان يوزّع الدواء للفقراء مجانًا، مؤمنًا بما قاله السيد المسيح:
«مجانًا أخذتم، مجانًا أعطوا».
وعرفت هناك ان الدواء لم يكن كلّ ما يعطيه، بل كان يوزّع الطعام، يشارك المرضى أوجاعهم، يسدّد فواتير الاستشفاء عمّن عجزوا، يؤمّن المأوى للمشرّدين على الطرقات،يزور المساجين ويبلسم جراحهم، ويحتضن الأيتام والأطفال، لا كفاعل خير، بل كأبٍ وجد أبناءه في كل محتاج…
رفض بكل لطف المقابلة الصحفية، رفض اخذ الصورة، لم يُرِد أن اكتب عنه شيئا. ومع ذلك، وجدتني أعود إليه مرارًا، كأن في حضوره سرًّا يشدّني ونورا في شخصيته يبهرني… وسرعان ما اكتشفت أنّ هذا الرجل فتح مستوصفات في أكثر من منطقة، بينها الجديدة والرويسات والنبعة والدورة وغيرها، حيث الأدوية والأغطية والمساعدات الغذائية وكل ما تيسّر… يُعطى بالمجّان، بصمتٍ لا يعرف المنّة ودون ضجة او منة اوتصوير…
وفي إحدى جلساتنا، قال لي بهدوء مَن يعرف طريقه:
«أنا أفكّر بتأسيس تلفزيون».
ذهلت وقلت في داخلي من أين لهذا الرجل بالمال؟ كيف لحافي القدمين أن يخوض مغامرة الإعلام؟
لكن المفاجآت مع الأخ نور لا تنتهي فبعد فترة دعاني إلى افتتاح تلفزيون نور سات وتيلي لوميير طالبًا مني أن أساعده بخبرتي قدر الامكان ،فقبلت دون تردد فلم يزدد إعجابي به فقط، بل ازداد احترامي له حدّ الانحناء الداخلي، وهناك اكتشفت أنه لا يمسك المال بيده، ولا يضع شيئا باسمه وكأنه يدرك ان كل شيء على هذه الارض فان…انه يطعم الناس، لكنه يكتفي لنفسه بالخبز الحاف مع الماء الساخن، يؤمّن البيوت للفقراء، بينما ينام هو على أرض مكتبه المتواضع…
الاتصالات لا تنقطع عنه، المحتاجون كُثُر، المرضى، الجائعون، المشردون… لا أحد يخرج خائبًا. لا يسأل عن اسم، ولا عن طائفة، ولا عن خلفية،خلفيته فقط قول المسيح :
«كنتُ جائعًا فأطعمتموني، كنتُ عريانًا فكسوتموني، كنتُ مريضًا فزرتموني»… كأن الإنجيل يمشي على قدمين.
يساعد المدارس لتعليم الفقراء ويفتح المدارس ايضا للفقراء والأيتام والمشردين في المناطق الشعبية المعدمة، يساند المرضى، يسعف المنكوبين، يحتضن المشردين، ويكون أبًا لليتامى… يعمل فوق طاقته حتى عندما اصيب قلبه الكبير بعارض صحي ظل في خدمة الناس متجاهلا نفسه ونصائح الأطباء، جالسًا على كرسي بسيط، تحت ضوء خافت وقلم الرصاص بيده، في غرفة صغيرة، يدير منها مؤسسة كبيرة تحتاج إلى الملايين، وهو لا يغمض له جفن، متكّلًا على الله وحده، لأنّه يعرف أن الله كريم، وأن من يزرع بذور المحبّة لا يحصد إلا الرجاء في رسالته المسيحية الهادفة.
الأخ نور لا يرتدي البدلات الفخمة، لم تغيّره الأيام، ما زال بثوبه البسيط كما عرفته، يمشي حافيًا، ينام على الأرض، يأكل الخبز الحاف مع الماء الساخن، ويشرب الماء كأنه نعمة يومية من السماء… حياته تشبه حياة المسيح وهو يسير على دربه… يعطي يتصدق يصلي ويضرع لا من أجل نفسه، بل من أجل المساكين والمظلومين والفقراء…
هو رسالة إنسانية حيّة، هو مشروع قديس بنظري قبل ان يطوب، استطاع أن يؤسّس مؤسسة مسيحية إعلامية كبيرة ذاع صيتها في العالم تحمل التبشير والصلاة والمبادئ والقيم ، تبشّر وتنقل أخبار الكنيسة والفاتيكان والعالم، وتدخل كل بيت ولا يمكن ان نتصور الدنيا بدونها … تلفزيون صار غذاءً روحيًا لمن لا يستطيع مغادرة منزله، فيأتيه القداس والترانيم والبشارة إلى عتبة بيته بل الى سريره..
«اذهبوا إلى العالم أجمع وبشّروا الخليقة كلّها»… وقد ذهب اليهم، بلا ضجيج، بلا إعلان، بلا صورة لنفسه،بلا عنجهية…بل بسلام المسيح…
لم أره يومًا في سيارة فارهة، ولا في شقّة فخمة، ولا في مكتب مترف،ولا في مطعم او فندق حتى ان الصورة يرفضها، رغم أن كل ذلك كان متاحًا له وبوفرة لو أراد… اختار الحياة البسيطة ولم يتغير، حياة من اقتدى بالمسيح لا بالكلام والخطب والعنجهية البالية، بل بالفعل وبالعمل…
ومن بين مبادراته الأخيرة التي عرفت بها صدفة احتضانه لمؤسسة سعادة السماء للأب مجدي علاوي، مقدّمًا لها دعمًا ماديًا ومعنويًا، ومساهمًا بقطعة أرض في المعيصرة حيث مركزها، وببيوت لاحتضان المشردين واليتامى والفقراء والضعفاء والمنسيين .. ومساندًا لرسالتها محليا وعالميًا، إيمانًا بأن الخير لا يُقاس بالحجم، بل بالأثر…
يبتعد عن الأضواء، عن التصوير، عن التكريم، عن المطاعم والسهر، وعن صخب وسائل التواصل الاجتماعي. يعيش حياة مسيحية صافية، هادئة، عميقة، تشبه تلك التي عاشها السيد المسيح، حيث الفعل يسبق القول، والتواضع يسبق المجد الزائل…
فالأخ نور ليس رجل دين، ولا راهبًا، ولا كاهنا ولا مطرانا ولا ناسكًا اعتزل العالم، بل رجل علماني عاش في قلب المجتمع، واختار بإرادته أن يعيش حياة الرسل والنساك والمسيح، لا هروبًا من العالم، بل محبّةً به… رجل بلا ألقاب، بلا استعراض، بلا غرور، يُحرِج بصمته وبلطفه كل متغطرس، ويُسقط بتواضعه كل متعجرف،وبصوته الخافت يخرس اصوات النفاق والعجرفة والغطرسة… ويكشف بحياته زيف بعض من تاجر بالدين، وباع القيم، وتزيّن بما ليس فيه.
هو قدوة صامتة، لكن صوته الخافت أعلى من كل الصراخ والعنجهيات والضجيج.
الأخ نور مرآة أخلاقية تُذكّرنا أن العظمة ليست فيما نملك، بل فيما نعطي،
وأن القداسة ليست في الثياب، بل في القلوب،
وأن الإنسان حين يشبه المسيح في أفعاله، يصبح هو نفسه رسالة سامية…
الأخ نور ليس حكاية تُروى…
إنه شهادة حيّة، تمشي حافية القدمين على خطى المسيح،وتترك أثرها عميقًا في طرقات هذا الوطن المتعب وقلوب شعبه المنهك…
في تعاليم المسيح عن دور المؤمنين في العالم قال: “أنتم نور العالم”…
وفي عظة الجبل خاطب تلامذته والمؤمنين قائلا :”فليُضئ نوركم هكذا قدام الناس،لكي يروا اعمالكم الصالحة ويمجدوا اباكم الذي في السماوات”.
والأخ نور عاش دعوة المسيح،وترجم الإيمان الى افعال،لا الى مجرد خطب واقوال…بحيث كانت اعماله الصالحة شهادة حية تمجد الله في كل زمان ومكان …تمجد ابانا الذي في السماوات…

