بقلم : نبيل حرب
لا أعرف الدكتورة باسمة الحولي شخصيًا، ولم يسبق أن التقيت بها أو تحدثت معها لا في استراليا ولا في لبنان. لكنني عرفت عنها ما يكفي لأكتب هذه الكلمات. عرفت أنها غادرت لبنان طفلة في الرابعة من عمرها إلى أستراليا مع أهلها، وهناك كبرت وتعلمت ونجحت وأسست مسيرتها المهنية بثبات حتى باتت تملك مركزًا متخصصًا في مجال التصوير بالأشعة، وتولت رئاسة حزب المواطنين الأستراليين في فيكتوريا…
مسافة العمر التي قضتها في الاغتراب لم تقطع الخيط الذي يربطها بجذورها. فبين انشغالاتها ونجاحاتها في الخارج، لم تنسَ أبناء منطقتها عكار. ومنذ سنوات، بدأت مبادرات إنسانية صامتة، بعيدًا عن الأضواء. تكفلت بمعالجة مرضى غسيل الكلى في عكار، جميعهم دون استثناء، وعلى نفقتها الخاصة. مبادرة لا تميّز بين اسم وآخر، ولا بين انتماء وآخر، لأن المرض لا يسأل عن الهوية، ولأن الرحمة لا تُجزّأ.
ولم يتوقف عطاؤها عند حدود الطبابة. فهي كما علمت، تعمل على تدريب نساء ورجال من أبناء منطقتها على مهن وحرف تعينهم على تأمين دخل كريم، تعلّمهم كيف يصطادون السمك بدل أن تعطيهم سمكة، فتزرع فيهم القدرة بدل الاتكال، والثقة بدل الحاجة.
وفي زمن يكثر فيه الكلام وتقل فيه الأفعال، علمت أيضًا أنها تنوي الترشح للانتخابات النيابية عن المقعد السني بمشروع صحي واضح لأبناء عكار. لا تعد بما لا تستطيع تنفيذه، ولا ترفع شعارات فضفاضة. هي كما يُقال عنها، تكره الوعود، وتلتزم بما تقول…
عند هذا الحد، وجدت نفسي أتساءل: ليت كل أبناء الاغتراب الذين نجحوا في الخارج يعودون إلى لبنان بهذه الروحية. ليت مرشحًا يتبنى قضية مرضى غسيل الكلى، وآخر يحمل همّ مرضى السرطان، وثالث يمدّ يده لأطفال الشوارع، ورابع يهتم بالعجزة، وخامس يعمل على تمكين الشباب، وسادس يطلق مشاريع إنتاجية في القرى وهكذا دواليك حتى ١٢٨ نائبا، أن يكون العمل الإنساني رفيق العمل التشريعي، لا شعارًا انتخابيًا عابرًا.
لبنان اليوم بحاجة إلى هذا النوع من الأشخاص. أشخاص يحملون خبرتهم من الخارج، ويضعونها بتصرف شعبهم، لا في خدمة مصالحهم الضيقة. أشخاص يفكرون بمشاريع إنمائية حقيقية تخلق فرص عمل، وتعيد الحياة إلى اقتصاد أنهكته الأزمات. أشخاص يعملون على استيعاب الشباب في وطنهم، بدل أن يقفوا على أبواب السفارات يتسولون تأشيرة إلى أقاصي الدنيا.
الناس في لبنان جاعت. الفقر نهش مدخرات العائلات، والمرض أنهك أجساد العجزة والأطفال الذين لا يملكون ثمن الدواء. الثقة تكاد تتآكل، والأمل يضعف يومًا بعد يوم. في مثل هذا الواقع، لا تكفي الخطابات ولا تكفي المهرجانات. ما نحتاجه هو قلب فيه رحمة، وعقل فيه خطة، ويد تمتد بالفعل لا بالكلام.
قد لا أكون التقيت الدكتورة باسمة الحولي، لكن النموذج الذي تمثله يستحق أن يُروى. لأن لبنان لا ينقصه الطاقات، بل ينقصه من يقرر أن يضع نجاحه الشخصي في خدمة الناس. وحين يعود الاغتراب إلى وطنه لا ليحكم فقط بل ليخدم، عندها يمكن أن يبدأ التعافي الحقيقي.

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,043,192